قد أثبت الإجماع مشروعيّته، ولئن كانت المالكية هي فيه الأوفر أخذاً؛ بحسبانه أصلا في المذهب فإنه طالما كان حاضراً في بقية المذاهب وإن بنسبٍ متفاوتةٍ إذ تأتي الشافعية مِن بعدهم ثم الحنفيّة ثالثاً فيما الحنابلة يلتحقون بهم تالياً. وحين القراءة في مدوّناتهم الفقهية على النحو الذي يبين عن احتفائهم بـ:»مراعاة الخلاف/ والخروج منه» يتّفق أنّهم في الجملة ندبوا إليه بطريقة أو بأخرى.. ولنقرأ:

*قال الشاطبي: «وهو أصل في مذهب مالك ينبني عليه مسائل كثيرة».
*بينما وكّد الزركشي-الشافعي- على أنّه: «يُستحب الخروج منه- أي الخلاف- باجتناب ما اختلف في تحريمه وفعل ما اختلف في وجوده».
*أما الحنفيّ ابن عابدين فقد خصّه بمطلبٍ في حاشيته فكتب: «مطلبٌ في ندب مراعاة الخلاف».
*وعند الحنابلة فإنّ المغني وحده طافح بالذكّر لمراعاة الخلاف.. منها ما ذكره ابن قدامة بخصوص وقت صلاة الجمعة عندهم وأنها تُصلى قبل الزوال في مذهبهم خلافا للجمهور حيث قال: «.. فالأولى أن لا تصلّى إلا بعد الزوال ليخرج من الخلاف».
وأجمع تعريفٍ له ما كان من ابن عرفة المالكي حيث قال: «هو إعمال دليل –المخالف- الخصم في لازم مدلوله الذي أُعمل في نقيضه دليلٌ آخر». أمنوا بذلك دون أن يطرأ على أذهانهم بأنّ من خالفهم رأياً واجتهاداً واقع في الضلال والخسران المبين.! ذلك بأنّهم ما شَكَوا انغلاقاً وما اعتقدوا بملكية الحق لهم دون من سواهم.
ولعلّ مثالاً واحداً يُغني في محاولة التقريب فهماً لهذا الأصل المعتبر: مَن كان مالكيّاً فهو بالضرورة يحكم بالفساد على من أنكحت نفسها بناء على أدلةٍ من الكتاب والسنة تجعل نكاحها بيد وليّها، وعليه فنكاحها باطلٌ إن هي أنكحت نفسها دون إذن وليّها.. لكن إن وقع هذا النكاح بهذا الوصف ثم مات أحدهما فإنّه- من راعى الخلاف- يُعمل لازم مذهب أبي حنيفة لأنه أجاز للمرأة أن تُنكح نفسها قياساً على البيع. لعلّك أدركت أنّ المالكيّ قد أعمل دليله في الحياة ودليل مخالِفه «الحنفي» في لازم مدلوله بعد الممات فأوجب حينئذ توارثهما وهذا هو مراعاة الخلاف وإلا فإنّ مقتضى القياس على المالكي أنْ لا توارث بينهما للبطلان. (بشيءٍ من تصرّف نقلا عن البهجة في شرح التحفة- التسولي). وبعيداً عن شأن الاستفاضة في شرح التعريف ومناقشته ذلك أن الغاية ليس بسطاً لدرسٍ أصوليّ يقضي بالتفصيل إبانةً، وإنما القصد لفت النظر بُغية الاستثمار لهذا: «الأصل» في المدّ لرواق آثاره عملاً في العامّة من الناس وتخلّقا في الفتيا من لدن الفقهاء بخاصة، ابتغاء أن يكون بمنهج الاستيعابي عاصماً من زلل الإقصاء، وحافظا عن كلّ أدواء الفُرقة، وسبباً في ردم الهوّة ما بين المذاهب، وإزالة ما بينهم من استيحاشٍ، وتوكيداً لمعاني التعايش، رغبة في صناعة: «مجتمع السلم» الذي قد أرهقته حالات احترابٍ متحفّزة إذ ما فتئ التعصب يوجج نارها في كلّ حين. ولا جرم أنّ الإقصاء لمن يُغايرك بدعوى امتلاك: «الحقيقة» لم يعد اليوم ممكناً في أن يؤسّس له خطاباً فقهياً/ أو حتى خطاباً عقديّاً وهو في شأن المباحث العقدية بخاصةٍ- مع غلواء الخصومةِ بسببها- عند التحقيق في جملةٍ كبيرةٍ من مسائلها؛ اتضح أنّها لا تعدو أن تكون اختلافاً في العبارة- كما نقل الذهبي ذلك عن الأشعري-! بينما ذكر ابن تيمية تجربته لمّا أن حكى في أخريات حياته ما يلي: «ولما أظهرت كلام الأشعري ورآه الحنبلية قالوا هذا خير من كلام الشيخ الموفق وفرح المسلمون باتفاق الكلمة وأظهرت ما ذكره ابن عساكر في مناقبه أنه لم تزل الحنابلة والأشاعرة متفقين إلى زمن القشيري فإنه لما جرت تلك الفتنة ببغداد تفرقت الكلمة»، ودونكم السفاريني الحنبلي صاحب العقيدة السفارينية: حيث قال في كتابه لوامع الأنوار شرح عقيدته (أهل السنة والجماعة ثلاث فرق: ـ الأثرية وإمامهم أحمد بن حنبل رضي الله عنه. ـ والأشعرية وإمامهم أبوالحسن الأشعري ـ والماتردية وإمامهم أبو منصور الماتريدي). إلى ذلك يمكن القول بأنّ إمكانيّة التعايش السّلمي في المجتمع الإسلامي الكبير ليست بمستعصية حتى إن تباينت المذاهب فيه وفقّ وِحدة «نصٍّ» من شأنه أن يستوعب الفهوم.. إنّ إمكانية هذا التعايش هي الأصل الذي تؤول إليه جملةٌ من القواعد الشرعية المعتبرة ذلك أنّ الاختلاف ليس هو مَن تُلقى عليه التّبعة في إحداث الفُرقة إذ إن هذه الأخيرة يسأل عنها استحكام الهوى والتّعصب للرأي وضيق العطن وقلّة الورع وإيثار المكتسبات الدنيويّة..! وحسبنا أنّ النصوص الشرعية المستفيضة قد اشتملت على عناصر الائتلاف الذي ينأى بمجموع الأمة عن التنازع الذي يؤذن بالفشل وذهاب الريح تالياً. وما من ريبٍ في أنّ الحاجة باتت ملّحة في تلمّس الجادة التي في مقدورها أن تُذيب مصطلح «الآخر» منهيةً بذلك عقدةً أورثنا إياها تأريخ صراع من قبلنا فحكمت بذلك -أعني عقدة الآخر- مستقبلنا الذي لن يهدأ (مُنظّروه) إلا إذا ما توافر فينا شرط التّخلص من هذا «الآخر» على النحو الذي نبقى معه الطائفة المنصورة! على الرّغم من أن ظاهرة التّعدد قد عرفها الإسلام والوحي لم يزل بعد يتنزّل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم غضّا طريّاً.