في الأسواق العالمية، هناك رأي بدأ يتشكل أخيراً بأن المخاطر الجيوسياسية تتناقص بشكل عام. في الوقت الذي كان فيه هذا الرأي يتشكل، بدأ جو من التفاؤل يسود في عالم الأعمال ينمو وبدأت الأسواق المالية تتعافى منذ الأسبوع الماضي. التوقعات والآمال بأن وفرة السيولة في الأسواق ستبقى موجودة لفترة من الزمن (بعد البيانات الاقتصادية الضعيفة من الولايات المتحدة وأوروبا) كانت العامل الأهم في تعافي الأسواق المالية العالمية. الآن، تحولت الأنظار إلى التصريحات التي ستدلي بها رئيسة النظام الاحتياطي الفيدرالي جانيت يلين.

وفي جميع الأحوال، من الملاحظ أنه على الرغم من هذا التوجه الإيجابي في الأسواق العالمية بشكل عام، فإن الأسواق التركية تأثرت بشكل سلبي وتفككت مرة أخرى. ومع أنه يمكن رؤية ملامح التعافي الاقتصادي في بلدان أخرى، إلا أن هناك تراجعا واضحا في الأسواق التركية المحلية. المؤشرات بازدياد الأمور سوءا في البيانات الاقتصادية بالإضافة إلى التطورات السياسية المحلية كان لها أثر مهم في تراجع الأسواق.
بعد التقديرات التحذيرية التي أطلقتها وكالة فيتش الدولية للتصنيف الائتماني في الأسبوع الماضي، فقد جاء في تقييم نهاية الأسبوع الذي تقوم به شركة موديز القابضة، والتي تقوم بإجراء أبحاث اقتصادية وتقييمات للمؤسسات الخاصة والعامة، أنه على الرغم من انتهاء الانتخابات الرئاسية في تركيا، إلا أن الجدل السياسي لم ينته بعد وأن المخاطر السياسية سوف تستمر على الأغلب حتى إجراء الانتخابات العامة في وسط عام 2015.
بالإضافة إلى ذلك، تم تسليط الضوء أيضاً على مخاطر البيانات الاقتصادية. ومع أن بعض وزراء الحكومة التركية ردوا على التحذيرات التي أطلقتها شركة موديز قائلين بأنهم لا يهتمون مطلقا بما تقوله، إلا أن هذه التحذيرات أدت إلى توتر واضح في الأسواق التركية.
الأسواق – التي تعرف جيداً التجارب المرة التي سببها سياسيون من خلال إهمالهم ولا مبالاتهم بالانتقادات من وكالات التقييم العالمية في مثل هذه الأوقات - بدأت مرة أخرى تميل إلى القلق بسبب عدم اتخاذ السياسيين القرارات الضرورية. أنا أعتقد أن المواقف التي اتخذها بعض السياسيين أخيراً كان لها تأثير في اضطرابات الأسواق التي تشهدها تركيا في هذه الفترة. ولكن على أي حال، يجب القول إن أكبر خوف من الناحية السياسية هو توقع تغيير في إدارة الاقتصاد الحالية في الحكومة التركية. بشكل خاص، التوقعات بأن نائب رئيس الوزراء علي باباكان لن يكون ضمن الإدارة الاقتصادية الجديدة تجعل لاعبين محليين ودوليين في الأسواق غير مرتاحين لما يحدث.
بالإضافة إلى رحيل باباكان، هناك مخاوف أيضاً بأن مسؤولين بارزين ووزراء محددين من حكومة العدالة والتنمية (AKP) من الذين كانت ردة فعلهم سلبية ضد الأسواق سيكون تأثيرهم أكبر في الإدارة الاقتصادية الجديدة. بعبارة أخرى، هناك مخاوف من أن عقلية الإدارة الاقتصادية الحالية التي أثبتت نجاحها حتى الآن، سيتم استبدالها بعقلية ترفض التطورات في الأسواق العالمية والأسواق المحلية.
ومن ناحية أخرى، مع التأثير السلبي لهذه التطورات السياسية، فإن التوقعات الاقتصادية تراجعت أيضاً، كما هو واضح في نتائج مسح التوقعات التي أصدرها البنك المركزي التركي خلال نهاية الأسبوع الماضي. البيانات الاقتصادية الصادرة أخيرا تبين أن تعافي العجز في الحسابات الجارية انعكس مرة أخرى وأن الصادرات سوف تكون إشكالية مرة أخرى بسبب الكساد الاقتصادي في أوروبا والاضطرابات الإقليمية. التراجع الذي تشهده أرقام البطالة عن العمل والمرتبطة مع تباطؤ الاقتصاد هو أيضاً عامل له انعكاسات سلبية على الأسواق التركية.
يمكن أن يفهم المراقبون في تركيا – من التوقعات بنهج أكثر سوءا في التضخم، وفي معدلات الفائدة، عجز الحساب الجاري ومعدلات أسعار صرف العملة الأجنبية التي تضمنها المسح الذي أجراه البنك المركزي - أن الإحساس بأن هناك محيطا يزداد سوءا يهيمن على كامل الاقتصاد التركي، وفي الوقت نفسه هناك مخاوف من حدوث انقطاع في الاستقرار.
في مثل هذه الفترات الاقتصادية الحرجة، فإن مؤشرات التغيير في عقلية الإدارة تقلق الأسواق بشكل كبير، وبالتالي فإنها تدفع إلى مزيد من تشجيع التراجع الاقتصادي في تركيا.
 

* كاتب ومحلل اقتصادي تركي (حريت دايلي نيوز)