ليس هذا المقال لمناقشة أفكار حركة (الدولة)، بل هو للبحث عن إمكانية بقائها وتمددها، وهو الشعار الذي ترفعه الدولة ومناصروها.
من متابعة خطاب (الدولة)، وتصرفاتها مع مخالفيها، وإدارتها للمناطق التي تخضع لها يتضح أنها حركة تُصنف ضمن الحركات الطهورية الخلاصية، وهي حركات تتسم بثلاث صفات: صفة (الإطلاقية)؛ إذ هي تعبر عن نفسها بأفكار ورؤى مطلقة غير قابلة للخلاف أو المراجعة؛ وترى أنها تمثل الخير والحق والصلاح المطلق، وغيرها يمثل الشر والفساد والباطل المطلق، وصفة (الوثوقية) وهي الإيمان الكامل واليقين الذي لا يخالجه شك أنها ستحقق أهدافها، وأنها رسول العناية الإلهية لإنقاذ البشرية مما تعانيه من انحراف وجهل، وأن الله معها ينصرها، ويسدد خطاها، وصفة (التبسيط) وهي تبسيط النظرة إلى الواقع المعقَّد وطريقة التعامل معه؛ فأمر إقامة الدولة -مثلًا- يحتاج إلى قائد مؤمن مخلص، وجنود مخلصين، وقوة ضاربة، وترهيب للأعداء، وهذا -فقط- كفيل ببقاء الدولة واستمرارها، وازدهارها، وعلوها على غيرها.
مثل هذه الحركات الطهورية الخلاصية إذا توفر لها القائد والجنود والقوة كانت تجتاح العالم في العصور الماضية، ولهذا لو جاءت حركة (الدولة لإسلامية في العراق والشام) قبل 500 سنة لربما اجتاحت العالم، وكونت لها إمبراطورية، لكن عالم اليوم يختلف جذريًّا عن عالم الأمس؛ يختلف في مفهوم الدولة ومؤسساتها، وعلاقتها بمواطنيها، وحقوق المواطنين على اختلاف أعراقهم ودياناتهم وطوائفهم، ويختلف في علاقة الدولة بمحيطها الإقليمي، وعلاقتها الدولية، ويختلف في مواضعات الحرب والسلام، أي أننا أمام فكر سياسي جديد في تنظيم الدولة لم يكن موجودًا في الماضي، ولهذا فإنشاء دولة جديدة تبقى وتستمر في العصر الحديث يحتاج لستة شروط، ودون توفر هذه الشروط يستحيل إقامة دولة واستمرارها؛ الشرط الأول: وجود فكرة واقعية تقوم عليها الدولة، قد تكون هذه الفكرة دينية يمكن تطبيقها، أو عرقية كفكرة مطالب عرق ما، أو إنسانية كتحقيق الحرية والعدالة والكرامة، وبالنظر إلى (الدولة الإسلامية) فإنها تقوم على فكرة (إقامة الخلافة)، وهي فكرة ليست واقعية، بل هي مثالية لا يمكن تحققها في عالم اليوم.
الشرط الثاني: وجود قيادة مؤهلة تتصف بالحنكة السياسية، والمقدرة على إدارة الصراع، والتفاوض، و(الدولة الإسلامية) لديها قيادة، لكن يبدو أنها لا تمتلك الحنكة السياسية اللازمة لإدارة الصراع، والواقعية السياسية في التعامل مع المشكلات؛ فهي تعلن العداء لكل الخصوم دفعة واحدة، وتعلن الحرب على كل الدول المجاورة في الوقت نفسه، وتفرض رؤيتها الدينية على السكان حالما تحتل بقعة من الأرض بالقوة دون النظر أي حسابات للمصالح والمفاسد.
والشرط الثالث: وجود جنود مؤمنين حق الإيمان بالفكرة التي ستقام الدولة من أجلها، ومستعدين للتضحية في سبيلها، ومؤهلين عسكريًّا ونفسيًّا للتعامل مع الوضع في حالة طال الصراع، وهذا الشرط متوفر في (الدولة الإسلامية)؛ فغالبية المقاتلين في صفوفها شباب متدين ذَوُو عاطفةٍ دينية متقدة، يؤمنون بأنهم في مهمة مقدسة لإنقاذ البشرية، ومستعدون للتضحية في أي عملية انتحارية في سبيل تحقيق أهداف الدولة، كما أن غالبهم منهم ذو خبرات عسكرية جيدة.
والشرط الرابع: قبول محلي لفكرة الدولة وإقامتها؛ أي أنها تعبر عن تطلعات السكان الذين سيكونون مواطنيها، وبالنظر لـلدولة الإسلامية نجد أنها استثمرت السخط العام الذي يبديه العرب السنة تجاه نظام المالكي الطائفي فطرحت نفسها بديلا عنه، لكن تصرفاتها بعد انتصارها بفرض رؤيتها الدينية الصارمة المخالفة لرؤية السكان السُّنة قسرًا، وطريقة تعاملها مع الأقليات الدينية الأخرى سيجعلها قوة غريبة محتلة تثير سخط السكان المحليين، وسيتحولون من حاضنين لها إلى ناقمين عليها، وأي سلطة -مهما كانت قوتها- لا يمكن أن تنجح من دون قبول محلي واسع لها، وهذا الأمر هو السبب الرئيس في هزيمة القاعدة قبل ذلك حينما استثمرت أمريكا سخط السكان المحليين، وكوَّنت الصحوات التي هزمتها.
والشرط الخامس: وجود موارد للدولة، للصرف على متطلبات الدولة، من جيش ومؤسسات، ومتطلبات السكان من تعليم وطرق وصحة، وموارد الدولة إما أن تكون موارد طبيعية قابلة للاستغلال كالنفط والغاز، وإما أن تكون بفرض ضريبة على الدخل، والموارد الطبيعية للمناطق التي تحتلها (الدولة) شحيحة جدًا لا تفي بمتطلبات الدولة، وضريبة الدخل تعد مكوسًا محرمة في فقه أصحاب (الدولة).
والشرط السادس: توافق إقليمي ودولي، فالدولة الحديثة يستحيل أن تقوم وتستمر دون الاعتراف بها دبلوماسيًّا من دول العالم، وبالنظر للدولة الإسلامية نجد أنها أقرب للفانتازيا في هذا الأمر؛ فهي أعلنت الحرب على العالم كله، وفتحت جبهات عدة في وقت واحد، فهي تقاتل النظامين العراقي، والسوري، والأكراد، وترسل رسائل تهديد لبقية الدول العربية، وتعدى الأمر إلى تهديد أمريكا وأوروبا، وهذا ما جعل دول العالم كلها تتحد ضدها، وكما هو منطق الحركات الطهورية في النظرة التبسيطية للأمور المعقدة فإن أحد زعماء (الدولة) صرَّح بأن دول العالم لا تعنيهم ما دام الله معهم.
لا شك أن (الدولة الإسلامية في العراق والشام) لم تحقق شروط الواقع في نشوء واستمرار الدول، ولهذا فمصيرها -حتمًا- إلى زوال سريع؛ فهي كعود ثقاب يشتعل ويتوهج ثم لا يلبث أن ينطفئ، وبين اشتعال (الدولة) وانطفائها ستزهق أرواح، وتسيل دماء، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).

