لا تترك الأوضاع الأمينة والاقتصادية في عدد من الدول الأفريقية على مواطنيها بدا من الرحيل صوب دول أخرى طلبا للرزق، وهربا من رصاص الحروب، وربما لدواع بيئية، أهمها الجفاف وموت الضرع والزرع
وفي دول القرن الأفريقي، أفرزت رغبة كثيرين في الهرب من واقع بلادهم عصابات نشطت في عمليات ترحيل الراغبين إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر، بواسطة عبارات أقل ما يمكن وصفها به أنها «ناقلات الموت»، إذ لا تعدو أن تكون مجموعة أخشاب مجمعة إلى بعضها يحشر بداخلها «الهاربون من جحيم الفقر»، بعبور أضيق منطقة في البحر الأحمر عبر «السنابك» الخشبية، يصل الهاربون إلى شواطئ الجزيرة العربية، في مراكز يحددها المهربون الذين خبروا التخفي عن أعين المراقبة، لتنزل «الشحنات» على مواقع قفر، لتبدأ بعدها مهام أفراد آخرين من العصابات، يعملون كأدلاء للطرق الخالية من الرقابة نحو المدن اليمنية سيرا على الأقدام لمن حالفهم الحظ بالنجاة من الموت جوعا أو غرقا في البحر الأحمر، ليتجه بعدها، من يملك أجرة المهربين، صوب الأراضي السعودية
ركوب المخاطر مجموعة من المتسللين جرى ضبطهم على الحدود السعودية، تحدثوا لـ»مكة» عن سبب ركوبهم المخاطر، مشيرين إلى أنهم هربوا من واقع مؤلم بفعل تداعيات الحروب والأوضاع المعيشية الصعبة في بلادهم، وكلفهم الوصول إلى السعودية مبالغ كبيرة جنوها من بيع كل ما يملكون ببلادهم
وعن كيفية دخول الحدود السعودية، قال أحدهم «كانت وجهتنا إلى الأراضي اليمنية كونها الأقرب إلى دولتنا، وانطلقنا عبر البحر صوب باب المندب بمجموعة مراكب خشبية، وكنا مجموعات تفوق استيعاب تلك المراكب، وغرق بعضها، كنا نشاهدهم يموتون وليس بيدنا إلا الدعاء لهم، وبوصولنا إلى اليمن توزعنا على الموانئ، لتبدأ عملية الابتزاز من قبل مجموعات هناك، تضع المجاميع في أحواش محكمة، لحين دفع مبالغ مالية، بعدها نعطى حرية التنقل»
القرى الحدوديةويتناول طرف الحديث آخر، بقوله «جرى تجميعنا في قرى حدودية، تسمى بالمخارط، تقع شمال شرقي منفذ حرض الحدودي في قرية تسمى المزرق، وبعد الاتفاق تم نقلنا مع المهربين على سيارات يمنية إلى المشترك، وهي الأرض الواقعة بين حدود السعودية واليمن، والتي يوجد على الجانب السعودي منها سياج حديدي، أحدث فيه المهربون ثغرات كافية لعبور البشر، قبلها كان هناك تنسيق مع أشخاص على الطرف السعودي لاستقبالنا بعد تجاوز الثغرات»
700 ريال للعبوروحول آلية دفع الأموال، قال «ندفع المبالغ عن طريق الأقارب أو الأصدقاء، لكن غالبا يتم ذلك عن طريق قريباتنا اللاتي يعملن خادمات في المنازل، ويتراوح المبلغ المطلوب بين 500 إلى 700 ريال للفرد الواحد، ليتقاسم المهربان حصصهما، بعد أن ينزلونا داخل الأراضي السعودية، لنسير بعدها على الأقدام عبر الأودية حتى نصل للمدن التي نقصدها»
سيارات مستأجرةوللانتقال عبر السيارات قصة أخرى يرويها متسلل آخر بقوله: قضيت في السعودية فترة من الزمن وأصبحت قادرا على التنسيق ودفع تكاليف وصول أهلي وأصدقائي، وهناك سيارات يستأجرها سعوديون من مكاتب التأجير، وتعطى لأشخاص ضالعين في التهريب، وعلى دراية بالمسالك والطرق، وللتمويه، يبادر مستأجر السيارة بإبلاغ الجهات الأمنية عن سرقتها، حتى لا تقع عليه مسؤولية، ويقبض نصيبه من صفقة التهريب»
الرقابة الالكترونيةتمرس المهربون في عملياتهم عبر الحدود، والحيل المختلفة التي يتبعونها، تصعب كثيرا في عمل السلطات المختصة، التي لا توفر جهدا في تأمين حدود البلاد، وهو ما أكده قائد حرس الحدود بمنطقة جازان اللواء عبدالعزيز الصبحي، الذي أشار إلى أن دوريات حرس الحدود تواجه صعوبات بالغة، ومقاومة شرسة أثناء أداء واجبها في التصدي لعمليات التهريب والتسلل، فعصابات التهريب لا تتوانى بإطلاق النار على الدوريات أثناء المواجهات
وأشار إلى تأمين معدات لتعمل على شق الطرق الوعرة، والتي تتعرض للانقطاع مع هطول الأمطار، مؤكدا أن هناك تعاونا مستمرا بين حرس الحدود والأجهزة الأمنية والعسكرية والحكومية كافة في المنطقة، يثمر القبض على العديد من المهربين والمتسللين
وأكد اللواء الصبحي أن حرس الحدود استفاد كثيرا من أنظمة المراقبة الالكترونية بواسطة الكاميرات الحرارية، إذ أدى استخدامها إلى فرض مزيد من السيطرة على الشريط الحدودي، إضافة إلى أن استخدام الطيران في أعمال حرس الحدود، يدرس من قبل الجهات المعنية، وهناك تعاون مستمر مع طيران الأمن في تغطية الحدود البرية والبحرية
المتسللون.. الغرق في البحر هربا من الجوع والحرب
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
