قرار الارتحال صعب.. لكن قرار البقاء أصعب.
ليس صحيحا أن هجر ما اعتدنا عليه نفي اختياري، فلا بد أن نفعل شيئا ونقبل بقدر من احتمال المخاطرة..
من قال إن كل شيء في حياتنا يخلو من المجازفة؟
ها أنت يا عزيزي الهارب مما تعرفه إلى أي شيء تأتي به الصدفة، تبحث عن الصدفة، وتسقط معها اختيارك، لترشدك لما يمكن أن تكون الحياة التي لم تتخيلها ولم تخطر لك على بال:
« قال الفتى بو ريم قلبي تنهّد
بعض الصُدف ترتاح منها وتسعد
صدفة ولا ظنّيت بالعمر تنعاد
يا رُب صدفة خير من ألف ميعاد»
هي جرأة لكني لا أرى فيها تهورا، لن أدفعك إليها، ولن ألومك إن أحجمت، فلا أحد يمكن أن يكون مكانك إلا أنت!
إن إحساسنا بالعجز عن أن نفعل شيئا هو أسوأ وأقسى مما يمكن أن نتعرض له.. إنها منطقة «الرّاحة الخادعة» و»النمط» المسيطر، الذي يريدنا أن نبقى في ربقته.
ولا يمكن إلا أن أثمّن لـ»أبي ريم الكلدي» هذا الجمال في الوصف لواحدة من محاسن الصدف:
« قلبي رقص بالنبض داخل ضلوعي
حسيت إحساسي بقمة ولوعي
لما التقينا دون شاني وحُسّادْ
يا رُب صدفة خير من ألف ميعاد»
وإني لأجد في هذا الذي يقوله «ميلان كونديرا»، في روايته الشهيرة «كائن لا تُحتمل خفّته»، وصفا لقيمة الصدف وجمالها يقول «لا يمكن أن يأخذ أحد على رواية الافتتان بالصدف، لكن يمكن أن يؤخذ بحق على الإنسان أن يعمي عينيه عنها، فيحرم بالتالي حياته من بعد الجمال»!
صحيح أن هذا «كلام روايات»، لكن الإنسان هو أهم روايات الحياة:
«يا بدايات المحبة.. يا نهايات الوله
الحسن، سبحان ربه، ظالم وما أعدله».