أواصل الحديث عن محاور حب الوطن، بعد أن تطرقت في المقالين السابقين إلى المحورين: الأول (حب الأرض)، والثاني (حب المواطنين).
المحور الثالث: حب الحكومة
دليلها الأول قوله تعالى: “يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ”، لأن الطاعة دليل المحبة، ويصدق هذا قوله تعالى: “قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”.
وأخرج البيهقي عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أطيعوا أمراءكم فإن أمروكم بما جئتكم به فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتهم وإن أمروكم بما لم آتكم به فهو عليهم وأنتم برآء من ذلك إذا لقيتم الله قلتم ربنا لا ظلم فيقول لا ظلم فتقولون ربنا أرسلت إلينا رسولا فأطعناه بإذنك واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم بإذنك وأمرت علينا أمراء فأطعناهم بإذنك فيقول صدقتم هو عليهم وأنتم منه برآء (الدر المنثور- السيوطي ج2/ص578)
وأخرج أحمد عن أبي ذر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنه كائن بعدي سلطان فلا تذلوه فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (خرج من ملة الإسلام) وليس بمقبول منه حتى يسد ثلمته التي ثلم وليس بفاعل ثم يعود فيكون فيمن يعزه. (الدر المنثور- السيوطي ج2/ص578).
وأخرج أحمد عن حذيفة بن اليمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من فارق الجماعة واستذل الإمارة لقي الله ولا وجه له عنده. (الدر المنثور - السيوطي ج2/ص578).
وعن زياد بن علاقة عن عرفجة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق بين أمة محمد صلى الله عليه وسلم فاقتلوه كائنا من كان. (المعجم الكبير للطبراني ج17/ص144 - 363).
فطاعة ولي الأمر واجبة، وحبه فرع من وجوب طاعته، ولأن تدعو له خير من أن تدعو عليه فإن قلبه بين إصبعي الرحمن يقلبه كيف يشاء. وقد قال أحد الصالحين: لو أعلم أن لي دعوة مجابة لجعلتها لولي الأمر لأن في صلاحه صلاح المسلمين وفي فساده فساد المسلمين.
أخيراً:
وبعد أن أصّلنا معنى الحب والانتماء ووجوبه لعناصر الوطن الثلاثة، علينا أن نعلم تماماً أن ما نشاهده اليوم من خروج بعض الفئات على الحكام أمر بالغ الخطورة منهي عنه شرعاً لأنه يؤدي إلى الفتنة التي قفل أبوابها الشرع الحنيف.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من حمل علينا السلاح فليس منا” أخرجه البخاري 13/26 برقم 7070 ومسلم 1/98.
فانظر إلى هذا الوعيد الشديد فقد أخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الملة لحمله السلاح، فما بالك بمن يعيثون في البلاد فساداً بحجة أنهم يريدون إخراج المشركين من جزيرة العرب؟! ولم يعلموا ما هو المقصود بجزيرة العرب في الحديث، فقد فسرها الإمام مالك بمكة والمدينة واليمن، وفسرها الإمام الشافعي بمكة والمدينة فقط، وهل يوجد في مكة والمدينة غير المسلم؟! إنهم أناس يتشدقون ويتفيهقون ولا يتفقهون. ألم يعلموا أن الذي قتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجل مجوسي؟ ثم إنه لا يمكن أن تتضارب الشريعة (الكتاب والسنة) فكيف تبيح الشريعة للمسلم الزواج من الكتابية ثم تمنع سكناها في جزيرة العرب؟!
ولقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصارى نجران ونصارى العرب على أديانهم، خصوصاً قبيلة تغلب التي منها الشاعر الأخطل الكبير، وقد ظل اليهود والنصارى في نجران إلى قبيل العهد السعودي، ولا يزالون في اليمن حتى الآن.
وختاماً: قد يفقد الإنسان عزيزا من ماله أو منقولاته فتعود إليه، ولكن إذا فقد الوطن فهو ذل تراه في وجوه اللاجئين، وهو ذل لا يعدله ذل، لأنه اهتزاز للكيان البشري، وفقدان للانتماء الوطني، فمن لا وطن له لا هوية له.
اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم اجعل هذا الوطن آمنا مطمئنا وأهله وسائر بلاد المسلمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
حب الأرض
حب المواطنين
حب الحكومة

