درسنا في سنوات الدراسة الأساسية قصة مشهورة ما زالت بعض الأقلام تتداولها في تاريخ فتح الأندلس للقائد المسلم البربري طارق بن زياد عندما عبر بجيشه الذي وصل عدده إلى حوالي اثني عشر ألفا من الجنود، وقبل المعركة المنتظرة مع جيش روذريق ملك إسبانيا الذي فاق عدده مئة ألف مقاتل، قام طارق بحرق السفن التي أبحرت به من المغرب، وعلى صوت النيران التي كانت تتراءى من بعيد قام يخطب في جنوده ليحمسهم فقال «أيها الناس أين المفر؟! البحر من ورائكم، والعدو من أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام على مائدة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيوشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم...حتى يقول في خاتمتها: وهاأنذا حامل حتى أغشاه فاحملوا بحملتي».
الغريب أن المصدرين الأساسيين لتاريخ فتح الأندلس الذي تم في رمضان من عام 94 هجرية كانا لابن القوطبة، وكتاب آخر مجهول المؤلف يسمى أخبار مجموعة، ولم يذكر أي إشارة أو ذكر لحادثة حرق السفن.
فالمؤرخون المسلمون كانوا ما زالوا قريبي عهد برواة الأحاديث من التابعين، واستخدم أغلبهم في تغيير قصص التاريخ نفس أسلوب التعديل والتجريح الذي يتم في رواية وتصحيح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان هناك ذكر لهذه القصة لذكرت ولو بالتعليق عليها بضعفها.
وثانيا: إن ما فعله طارق إن صح من حرق السفن لا يفعله قائد محنك هو واحد من أهم قادة المسلمين الذين فتحوا الشمال الأفريقي حتى وصل إلى طنجة وولاه عليها أمير شمال أفريقيا موسى بن نصير..فهو قائد مشهود له بالحنكة والذكاء، فلا يقطع خط رجعته وانسحابه أبدا.
ثالثا: إن الخليفة الأموي في دمشق سواء الوليد بن عبد الملك الذي أمر بالفتح، أو سليمان بن عبدالملك الذي حاكم القائدين، قد أرسل في طلب القائدين بعد نجاح الفتح لمساءلتهما عن كيفية تعريض حياة الجنود المسلمين للخطر بهذا الفتح السريع، فيكف لو علم بحادثة حرق السفن؟
وهذه الحادثة لم تذكر في التاريخ الإسلامي إلا بعد خمسة قرون كاملة، وكان أول من ذكرها الإدريس أبو عبدالله محمد الذي توفي سنة 560 هجرية في كتابه زهرة المشقاق، وآخر يسمى عبد الملك بن الكرديوس وتوفي في نهاية القرن السادس الهجري.
وأخيرا فلقد تواترت أنباء المؤرخين أن طارق بن زياد لم يكن يجيد العربية، وهذه الخطبة العصماء ألفت عنه بعد أكثر من خمسة قرون كاملة على الفتح العظيم..والبقية تأتي.
قصة حرق السفن والأخطاء الشائعة في تاريخنا الإسلامي
عصام موسى2 دقائق للقراءة

حجم الخط
