في عصر التقنية وثورة الاتصالات وتعدد الوسائط الإعلامية لم يعد يرضي ويقنع عقل المتلقي (الواعي غير السطحي) أي شيء ما لم يكن له من المسوغات والمعطيات ما يجعله جديرًا بذلك، وهي حقيقة قد يجهلها كثير من المسؤولين، ويبدو المسؤول في أي مؤسسة كانت في حيرة حول علاقة هذه المؤسسة بالإعلام، وهي علاقة تدخل عند بعض المسؤولين في إطار أن الإعلام (شيء لا بد منه، وإن لم تُظهر إنجازاتك من خلاله فلن تسلم من سهام نقده، ومن هنا فإن الأفضل أن تحضر من خلاله في صورة المنجِز والمبدع لا المنقود)، أما البعض الآخر فهم المهرولون وراء الإعلام، الذين يسعون من خلاله لتوثيق كل شيء، حتى حركاتهم وسكناتهم وسفرهم ومناسباتهم الشخصية هي حاضرة من خلال الإعلام، وهؤلاء لا يعون أثر الإعلام السلبي حين يقدم إنجازات وهمية ويتحدث عن كل صغيرة وكبيرة في المؤسسة على أنها إنجاز؛ إذ إن هذا البريق سرعان ما يزول أثره، وهناك صنف ثالث لا يحبون أن يتعاطوا مع الإعلام إلا في أضيق الأحيان والظروف (مُكْرَهِين)، وهم مع تعاطيهم هذا غير مؤمنين بدوره انطلاقًا؛ من تصورهم أنه مجرد (كلام جرايد)، ومهما كان فإنه لا يصح -في نظرهم - إلا الصحيح، سواء تحدث الإعلام أم لم يتحدث.
ومع إيماننا بوجود نماذج مشرفة للمسؤولين والصحفيين الذين يقدرون المسؤولية ويعملون بها فإن في علاقة الإعلام مع المسؤول للأسف زوايا خفية، وأحيانا تكون مظلمة، وفيها مواقف مؤسفة، وهي تأتي في أشكال مختلفة؛ فتجد بعض المسؤولين يعمل على تعيين أحد موظفيه مشرفًا على إدارة العلاقات العامة في المؤسسة التي يعمل بها، ويعمل على الزج به مراسلا لإحدى الصحف المحلية في تلك المدينة أو المحافظة؛ ليكون هذا الموظف الصحفي لسانًا للمؤسسة في تلك الصحيفة، وليسلم المسؤول من شخص كان سيحل في هذا المكان، وربما صدر عنه شيء من النقد الصحفي، فضلاً عن كثير من حالات الاستقطاب التي يعمل بعض المسؤولين عليها لضمان ولاء من يفقدون المسؤولية المهنية من الصحفيين، وهي حالات قد تتجاوز في بعض الأحيان للأسف نطاقها، وهي مظاهر استقطاب قد تجد بيئتها المناسبة لها، وخصوصًا أن هناك من الصحفيين قليلي التأهيل والخبرة، ومن بدأت علاقتهم بعالم الصحافة والإعلام من خلال خبر صحفي تم نشره في الصحيفة، دون أن تحرص المؤسسة الصحفية على التدريب والتأهيل المهني والأخلاقي الضروري لمثل هذا العمل.
والحقيقة التي أعرفها جيدا ويحدثني عنها أصدقاء من الوسط الصحفي والإعلامي أن شخصيات تجربتها الصحفية ضعيفة جدًّا، وجهدها لا يزيد على (كتابة خبر صحفي محلي مليء بالأخطاء الإملائية)، وهو خبر ربما ورد من إدارة العلاقات العامة وليس لهذا المراسل أو الصحفي فيه جهد قد تحولت بشكل مفاجئ إلى شخصيات ذات مركز ووجاهة، وحظيت بعضوية العديد من الجمعيات والمجالس وأحيانًا رئاسة تلك الجمعيات والمجالس، ومهر هذه الترقيات الاجتماعية والوظيفية ومسوغها هو الخبر الصحفي الذي أشرت إليه سابقًا، فيما نجد بعض الإدارات تقدم خدمات غير مباشرة لهؤلاء من خلال عضوية اللجان الموسمية وتذاكر السفر وغيرها.
للأسف ما زال المراسل الصحفي لدينا في الغالب هاويًا، ومن هنا جاءت هذه المشكلات، وبرزت تلك الظواهر في هذه المهنة الحساسة، ولا أتذكر أنني قرأت إعلانا لصحيفة تطلب فيه من الراغبين في العمل (مراسلين صحفيين في المراكز والمحافظات) التواصل أو إرسال سيرهم الذاتية للمفاضلة بينهم واختيار الأجدر إلا في أضيق الحدود، وكل هذه الأمور تتم بالمصادفة، وفي ضوء المتوافر، حتى إن بعض الأُسَر في بعض المدن والمحافظات مستحوذة تمامًا على مختلف الوسائل الإعلامية، فضلاً عن أن هؤلاء يبدؤون عملهم دون الوعي بالمبادئ والأخلاق الإعلامية.
إنه لا اعتراض على من يجمع بين العمل الصحفي وبين العضويات والمسؤوليات التي أشرت إليها سابقًا وهو جدير بذلك ومؤهل له، وإنما الإشكال في أن يتحول شخص ضعيف في مؤهلاته وإمكاناته العلمية والإدارية إلى أخطبوط إداري واجتماعي بسبب أنه استثمر منبرًا إعلاميًّا لتحقيق أهدافه الشخصية وخدمة أصدقائه.
وكما أن الصحف والمنافذ الإعلامية الأخرى مسؤولة عمن يتم تعيينهم وإتاحة المساحات لهم دون تدريب وتأهيل ودون جدارة وأحقية، فإن المسؤولين الذين أسهموا في صنع مثل هؤلاء وتوفير الخدمات والدعم لهم هم مسؤولون أمام المجتمع عن هذا الصنيع.
بين الصحفي والمسؤول
مفلح زابن القحطاني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
