سبق الوعد بالحديث عن نظام ساند، وهو التأمين ضد التعطّل عن العمل، حيث سيشمل فقط العاملين السعوديين والسعوديات المشتركين في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وسيبدأ تفعيله الشهر القادم.
هذا النظام يقوم على استقطاع %2 من الأجر المدفوع للعامل، ويشترك في تحمّلها مناصفة كل من صاحب العمل والعامل المشترك، بواقع %1 على كل طرف.
وبحسب القائمين على النظام فإن الهدف منه هو حماية العاطل عن العمل موقتاً، لمن كان عمره دون 59 عاماً، بصرف تعويض شهري لكل من فقد وظيفته لظروف خارجة عن إرادته مع رغبته في العمل. وقد أثير حوله الكثير من الجدل النظامي والشرعي، ويعود ذلك لكيفية إثبات الواقعة التي منعت العامل من الاستمرار في العمل، وظروف الفصل من العمل «رغم القيود عليه»، وهل كانتْ تعسّفية أو خلافه.
ويجيز ساند استمرار مدة صرف التعويض للمتعطل عن العمل، وفقا للشروط الموضوعة، وبحد أقصى لمدة عام كامل 12 شهراً متصلة أو متقطعة عن كل مرة من مرات الاستحقاق، وتم تحديد قيمة التعويض فيه ما بين 2000 إلى9000 ريال. والمتأمل في واقعنا الاقتصادي يجد أنّ أغلب أجور العاملين في القطاع الخاص تعد متدنية جداً، حيث بلغ متوسط أجور العمالة السعودية عام 2013 نحو 4748 ريالا شهرياً (قرابة 4320.7 ريال شهرياً بعد خصم التقاعد)، ومن ثم سيشكل استقطاع %1 بالنسبة لذوي الأجور المتدنيّة عبئا إضافيا، خاصة أنّه سيبقى بصفة دائمة حتى بلوغ الموظف سن التقاعد.
وترى شريحة كبيرة من المشتركين أنها ستتحمل فقط عبء تمويل هذا النظام، مقابل ضعف أو انعدام استفادتها منه في المستقبل، نظراً للانخفاض الكبير في معدلات الفصل وفقدان العمل، عدا الصعوبة القانونية لإثبات تلك الحالات كما أسلفت. ودفعها للاستغراب الشديد عدم رد تلك الاستقطاعات الشهرية إلى المشترك طوال مدة الخدمة الوظيفية في حال لم يتعرّض الموظف لأي من حالات النظام.
ومن المتوقع أن تبلغ محصلات نظام «ساند» خلال عامه الأول أكثر من ملياري ريال، ويقدّر أن يتجاوز إجماليها خلال عشرة أعوام قادمة بنمو أعداد العمالة وعوائد استثمارها إلى أكثر من 47 مليار ريال. وبالنظر إلى حالات الفصل المتوقعة وفقدان العمل، فإن التقرير السنوي الأخير لوزارة العمل يبيّن أن عدد القضايا المنتهية أمام الهيئات الابتدائية بالفصل للعام الماضي لم يتجاوز 565 حالة فصل فقط، في حين لم يتجاوز مجموع مبالغ النزاع المنتهية التي تشمل الفصل وغيره من قضايا الحقوق النظامية وغيرها سقف 187مليون ريال طيلة العام، أيّ ما لا يتجاوز حوالي %9 من إجمالي المتحصّلات التقديرية لبرنامج ساند نتيجة تمويله بـ%2 من الأجور الشهرية للعمالة الوطنية!
إن كل بلد في العالم ينظر إلى أوضاعه الداخلية ومقدراته قبل أن ينظر إلى تجارب الآخرين، وبناء على إمكاناته والتحديات التي يواجهها تقوم الأجهزة الحكومية المعنية فيه باتخاذ القرار الأنسب والأفضل، الذي يؤمل من إقراره تحقيق المصلحة العامة بالدرجة الأولى، ودفع أية أضرار محتملة قد تقع على الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.
ولهذا يأمل أكثر من 1.5 مليون مواطن ومواطنة أن يُعاد النظر مرة أخرى في آلية تحصيل تمويل نظام «ساند»، لتأخذ في عين الاعتبار كل تلك الحيثيات والمخاطر والاحتمالات غير المأمونة من جانب، ومن جانب آخر الإمكانات والقدرات المالية التي يتمتع بها الاقتصاد الوطني، وضرورة توظيفها في اتجاه تحقيق الرفاهية والتنمية المستدامة للمجتمع، لا العمل في اتجاه معاكس لتلك الغايات التي كانت أول أهداف خطط التنمية.
وفي تصوري أن من المفترض أن يكون هذا النظام اختياريا ، بحيث يتاح للموظف الاشتراك به من عدمه، هذا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن بعض المؤسسات والشركات لن تكون مشتركة في النظام، وكإجراء حضاري كان الأولى أن يتم الاستفتاء على النظام قبل فرضه، وقد أفتى بعض العلماء وطلبة العلم بعدم جواز هذا النظام من الناحية الشرعية، فلا تتيح الشريعة أخذ شيء - مهما كان يسيرا - من أجر الأجير بغير إذنه (رغما عنه)، ونحن في وقت الحاجة فيه إلى استجلاب عين المودة وشعور المحبة ماسة جدا، ولا أتصور مطلقا أن ساند يأتي في هذا السياق، فهل يتحقق الأمل في تأجيله ويعاد النظر فيه قبل فرضه؟!