أوصد على نفسه باب حرز يكاد يكون الأخير، وأسدل ستارة قاتمة كانت تزيد من رهبة الشارع الخلفي المظلم. لم يكن جبانا جليا، فهو يدّعي عشقه للاختلاء بالنفس حين يعصف ذهنه.
انكمش أمام الحاسوب، وتناول قطعة جبن فاخرة بلونها المُعشوشب، وبدأ يقضم أول حروفه. لقد كان يأمل أن يؤطر بنظريته المرتعشة أن الجبن كان أول اختراع إنساني أثبت فائدته على مدى عصور التحضر القديمة والجديدة! أضاءت شاشة الهاتف، فارتعش لوهلة مع رنة حالمة انتشلته من سكون الوحدة، ونظر من خلف الستارة فلعل الأمر مجرد وهم، وكتم صوت الخوف، حتى لا تتناثر الأفكار من رأسه المشحون بأصداء الرنين.
الجبن كان نتاج تفكير مختمر، وتجربة إنسانية عميقة، أثبتت أنه خير حافظ للنوع، فلا يضطر للتضحية بما يملكه طازجا، لأنه يخشى ألا يبقى على حالهِ لمدة أطول. وهو يُقدر أن من يجبُنَ يعيش لمدة أطول، ولو على شكل قرص عتيق من الفقاقيع، وغلاف من الشمع يغري الفئران بمفاجآته!
فعلا لقد أنتجت الإنسانية الجبن لتستمر، فكيف لو قمنا بسكب ما يزيد عن حاجتنا من اللبن الطازج، على أديم الأرض النهم؛ والجبن لا ينبت ولا يورق ولا يزهر! وكذلك الشجاعة، أليست سكبا لمشاعر عزيزة ثمينة طازجة دون وعي على أفواه أديم الأرض؟ والجبن قد يكون الحكم على الأشياء بعدالة، فالأمور العظيمة تحتاج إلى الجبن مثلما تحتاج إلى الشجاعة، والوقوف عند منزلق الحق، ومعرفة المزايا والعيوب تجعلنا نعرف حقيقة قدرِنا، وقُدرة عدونا، وتقدير اللحظة، وجدوى الجبن، فلا نتهور في نزاع نعرف أننا سنسكب فيه ألبان أوطاننا على أرض العطش، ونسعد للحظة قبل أن نتدرع بدرع الشمع الرث، بينما لدينا فرصة للتراجع والتفكير بعقل وسكينة وواقعية، والعودة من جديد، ولو على شكل قطعة جبن زكية معتقة، تزداد قيمتها، وترتفع مكانتها مع دوران عقارب الخوف.
أنا هنا لست أنظر للفأر، الذي يمتلك بخبثه ما لا يمتلكه، والذي لا يفكر إلا في فائدته الشخصية متنقلا بين الثقوب. وأنا لست مع محبي التهور الشديد غير المحسوب. كل من يجد جدران بيته تتضعضع، عليه أن ينبذ الجبن أيا كانت قيمته، وأن يقاتل عنه بشجاعة فأر يمتلك قرص الجبنة، ولا يستحله عنوة على حين غفلة! كل من عرف أين يكون الفساد، واستدل على أول حفرة في قرص الجبن المخترق تقع عليه مسؤولية الوعي، والمثابرة، والتوعية، وعدم الاستسلام؛ ومن أضاع وعيه وتهاون، فغدا تصبح أقراصه ممرات لكل من له مخلب. في قرصك الخاص، واجه الفأر بأنه غير مرحب به، وأنك لا تخشى في الحق شوارب استشعارية.
اخرم قلبي، ولا تخرم قرصي، ودعني أعش، بمعطياتي، واذهب لتصنع لك قرصا بلبن جبينك، فالدمار سهل، والوقوف بشجاعة أمام من يدمرون ماضينا وحاضرنا سُنة حسنة.
الجبن والجبن!
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
