أصبح الحديث عن مآسي الأمة، ونكبات العرب، كالوجبة الدسمة التي يضعونها أمامك كل يوم، فكلما أكلت منها أكثر، عافتها نفسك أكثر، حتى تصل لمرحلة (صدة النفس). فتجد نفسك ومن حولك في الأغلب تتخذون أحد الموقفين، فإما أن تنغمسوا فيها، فالتلفاز لا يعرض إلا قنوات الأخبار، وصفحاتك في مواقع التواصل الاجتماعي غصت بصور الأجساد المقطعة، والبيوت المفجرة، وبجانبها عبارات الشجب واللعن (واخزيااااه) (لعنات سخطات على العرب الجبناء)، فهؤلاء كالذي يفرك الجرح بالملح ليمارس عليه جميع أنواع البكائيات، آملا أن يسمع أحدهم العواء، فيأتي بالدواء.
أما الموقف الثاني فهم أولئك الذين يتقنون أسلوب التغافل، فيشغلون أنفسهم بمن سيفوز في كأس أمم بحر البلطيق. وماذا ستفعل الجارية الساحرة في الحلقة القادمة من خراف السلطان. ولماذا لم يعمل أحد لايك على صورة الكبسة بالمكسرات التي عرضتها في الانستقرام. فهم كالمرأة المنهمكة في وضع أحمر الشفاه، متجاهلة جرح ساقها الذي ينذر بالغرغرينا، لأن منظره (ياي) بشع جدا. فما بين التنطع في المواقف، والانحلال فيها، فقدنا المنطق، عجزنا الوسيلة وأضعنا القضية.
وهناك قلةٌ ثالثة، تنظر إلى الموقف بعين شمولية، واعية بتسلسل التاريخ وتكراراته، مدركة لظروف الحاضر وسياساته، راصدة لإحداثيات المستقبل وتنبؤاته. تدرك تلك الفئة أن العرب فاشلون حربيا في العصر الحديث، وأنهم حتى حين يتمكنون قليلا فإنهم يقمعون شعوبهم ويغزون بعضهم. فالقوة الحربية إذا لم تسبقها نهضة فكرية، علمية، اقتصادية، اجتماعية، وسياسية، تصبح كالرجل المجنون يملك رشاشا يطلقه في كل الاتجاهات، وغالبا ما ترتد عليه إحدى طلقاته فترديه. فما أشلاء أطفال فلسطين وسوريا المبعثرة على الأرصفة، والحركات المتطرفة في العراق وليبيا واليمن، ومعدلات العنف المرتفعة في العالم الإسلامي، إلا نتاج تأخرنا الحضاري في هذه الحقبة من الزمن.
إن ما يحصل الآن من مجازر وحروب ليس أسوأ ما مر على البشرية، وليس أسوأ ما مر على أمة الإسلام، فالنكبات والمصائب ترتفع حدتها وشدتها، لتجبر الأمم النائمة على الاستيقاظ من سباتها، والانتباه من غفلتها. وقد وصلنا الآن إلى نقطة (نكون أو لا نكون). فأمام غوغاء الإعلام لنترفع عن تسليم عقولنا. وأمام شعارات القومية والطائفية، والتيارات الفكرية، لنترفع عن تصديق أن مصلحة بلدنا أو مذهبنا، أو فكرنا، منفصلة عمن جاورنا، فقوتنا في اتحادنا. لنحول مشاعر الألم والحزن لدى رؤيتنا للدماء والدمار إلى رغبة عارمة في التعلم والإعمار، وإحسان في الأخلاق والتعاملات، لنزرع في أولادنا رسالة الإسلام، وحب الأمة. ولنبني فيهم أساسات حضارة سامقة، نجني بها غدا حصادا من المجد، يليق برسالة الإسلام، دين السلام.
السيف والجافا
هبة قاضي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
