تقول العرب: “الرائدُ لا يَكذِبُ أهلَه” والرائدُ هو الذي يبعثُ به أهلُه في أوقات الجدب ليرتادَ لهم مكانًا خصيبًا ينتقلون إليه، ولا بدّ لهذا الرائد من أن يكون صادقًا وثقة وشجاعًا وخبيرًا وقادرًا وهاديًا لقومه.
والفنّان الحقّ (رسامًا ونحاتًا وشاعرًا وموسيقيًّا...) هو رائد؛ لأنّه يكون صادقًا في علاقته بخالقه الذي وهبه تميّزه عن بني جنسه من البشر، ويكون صادقًا في علاقته بالطبيعة التي يمتح منها فيحاكيها أو يعبّر عنها أو يمثّل أجلى صورة من صور انعكاسها في فنّه، ويكون صادقًا في علاقته بنفسه في عمق وجودها، ويكون صادقًا في علاقته بنظرائه من بني الإنسان في تمثيل نوازعهم وطواياهم وسرائرهم أدقّ تمثيل.
والفنّان الحقّ يثق ثقة عالية بما يشعر به ويحسّ، فلا يخذل عقله ولا قلبه ولا يخذل جوارحه، ولا تعوزه الشجاعة في أن يكون ناقدًا للواقع وثائرًا عليه، ومتمرّدًا على التقاليد ومخترقًا لها، ومتأمّلاً ذاته الإنسانيّة بشهواتها ورغباتها وانتصاراتها وانكساراتها وتساميها ومثلها العليا، ناظرًا إلى الأمام بأمل، ومحدّقًا في المستقبل بحلم، انطلاقًا من الخبرة الإنسانيّة، والمعرفة الطبيعيّة، والكفاءة الوجوديّة، التي تهديه جميعًا إلى الطريق القويم، حتّى وإن تبدّى هذا الأمر أو ذاك لمعاصريه على أنّه الضلال والهوى والانحراف أو المرض والجنون.
والفنّان الحقّ كان -عبر التاريخ- رائيًا ومتنبئًا وملهَمًا وملهِمًا؛ وكثيرًا ما أنصف النّاس عظماء الفنّانين بعد أن واروهم الثرى مغمورين، وانقضت بالشقاء أعمارهم مقهورين، فقد كانوا يدركون الحقيقة، ويقبضون على جمرها، ويعيشون الحياة كما يجب حتّى وإن لفظتهم بغدرها، وكانوا وما زالوا مخلصين لأنفسهم ومتفانين في سبيل فنّهم؛ لأنّهم لخدمة البشريّة منذورون، ولرسالاتهم العليا مبلّغون، أدرك معاصروهم ذلك منهم أو تجاهلوه، قبلوه أو رفضوه، إنّهم مؤمنون دائمًا وأبدًا بأنّهم خلقوا روّادًا للبشريّة، ويعتقدون مع الجميع جازمين بأنّ الرائد لا يكذب أهله.
الفنّان رائدا
جمال مقابلة2 دقائق للقراءة

حجم الخط
