لكل شر محاسنه، هذا قانون الحياة التي نحياها، والشر الفاحش الذي يقترفه الدواعش ليل نهار، مما تنبئنا به الأخبار، له وجوهه الحسنة أيضا! فقد أفاق بعض أهلنا العرب، الذين كانت نفوسهم موزعة بين بين، تارة تميل إلى تصديق أكذوبة (الجهاد) وأخرى يؤرقها استئساد أعداء الأمة عليها، وتناهبهم أطرافها، فإذا بهم يقبلون أن يدافع عن الأمة أي مدافع، حتى ولو كان سفاحا لا خلاق له ولا عهد، يذبح الأطفال ويسبي النساء، وحز الأعناق بالنسبة له هواية مفضلة! أفاق هؤلاء، لأنهم أدركوا بعد صواعق الدواعش التي تضرب كبد الأمة، أن من ظنوا بهم الخير، حراسا مدافعين عن العرب المستضعفين، ليسوا إلا أعداء الأمة أنفسهم، وإن تنكروا بزيها، وأطلقوا لحاهم على طريقتها، ونطقوا بلسانها.
بل إن الضرر الفادح الذي تسبب فيه الدواعش للعروبة والإسلام، أكبر بكثير مما حاوله أعداؤنا خلال القرون الأربعة عشر الماضية، لأنهم صورونا أمام العالم، كقتلة متوحشين يسفكون دماء الأبرياء، وهم يهللون ويكبرون مسرورين، وكمتعصبين يخيرون الناس بين أن يدينوا بدينهم، أو أن تُقطع أعناقهم.. وكثيرون من أهلنا هؤلاء الذين كانت قلوبهم تميل إلى من أطلقوا على أنفسهم – زورا وبهتانا - لقب المجاهدين في سبيل الله، عادوا الآن إلى صوابهم، وأدركوا أن كلمة الحق كثيرا ما يُراد بها الباطل، وأن الدفاع عن الدين النبيل، لا يكون أبدا بأفعال خسيسة، تنفر منها نفوس البشر، وأن التقتيل والخطف والإحراق والإذلال والتجويع، ما كانت قط من أفعال الرسول الكريم ولا من أفعال صحابته الراشدين، وإنما كان وما يزال من أفعال الجاهليين الجاهلين، أعداء الدنيا والدين..
فقد الإرهابيون المتطرفون إذن - فيما أزعم - الجانب الأكبر من تعاطف بعض العرب معهم، بعد أن فضحتهم جرائمهم التي فطرت قلوب العرب والعجم، وهذا هو الوجه الحَسَن الأول في تمكن الإرهابيين الدواعش من الحكم المباشر لمساحات واسعة من شمال العراق وشرق سورية، إذ إنهم قد انكشفوا على حقيقتهم، وحوشا لا خلاق لها، يلهثون كالكلاب الضالة سعيا للسلطة ولا شيء سواها..
لكن - لحسن حظنا، ولسوء حظ داعش وأخواتها - فإن هناك ما يفوق ذلك أهمية وحسما لما كان من تعاطف (بعض) العرب مع المتطرفين الجهاديين هؤلاء، والجهاد منهم براء.
فقد شاءت حكمة السماء أن تنشب إسرائيل أظافرها القذرة في جسد غزة، لتقتل وتجرح وتشرد عشرات الآلاف من أهلها العزل الأبرياء، في ذات التوقيت الذي صارت فيه للدواعش دولة ورجال، وحكومة وبيت مال، وسلاح متقدم سرقوه من مخازن جيش العراق، ومليارات نهبوها من بنوك الموصل.. ولكن (أسود الله) كما يطلقون على أنفسهم، لم يفكروا في إطلاق صاروخ واحد باتجاه الدولة العبرية المعتدية، ولم يقوموا بعملية (جهادية) واحدة ضد السفاحين من جنود جيش (الدفاع)، بل إن (الخليفة/ أمير المؤمنين) أبوبكر البغدادي نفسه، لم يجد بين يديه متسعا من الوقت ليدعم أهل غزة بخطبة عصماء، أو حتى بوعد بالانتصار لهم، والانتقام من عدوهم. فبماذا كان المجاهدون مشغولين؟
كانوا مشغولين بتنقية المناهج الدراسية لتخلو من الفلسفة والكيمياء.. وبتخيير نصارى الموصل بين اعتناق الإسلام أو الموت.. ومشغولين بسبي مئات الطفلات العراقيات ليكن في خدمة السعار الجنسي لأمراء (المجاهدين) ومشغولين بنسف مساجد المذاهب الإسلامية الأخرى غير المرضي عنها لديهم، ومشغولين بترويع ومطاردة وقتل الإيزيديين العراقيين الذين تعايشوا مع المسلمين بسلام أكثر من ألف سنة حتى وصل الطاعون الداعشي. صارت الحالة واضحة الآن تماما أمام الرأي العام العام العربي..
إن الدواعش طُغمة من شُذاذ الآفاق، الجاهلين، الذين تسارع أياديهم إلى الضغط على الزناد قبل أن تتاح لعقولهم فرصة للتفكير، الذين يتشدقون بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وسلوكهم كله هرولة في الاتجاه المضاد لروح تلك النصوص المقدسة المفعمة بالإنسانية والسماحة والسلام..
صارت الحالة واضحة الآن تماما، فهؤلاء الدواعش، ومن مشى مشيهم، واقتفى أثرهم، هم أعداؤنا، وهم قبل ذلك صنيعة أعدائنا، لضربنا نحن، لا للدفاع عنا في وجه مصائب الزمان.
لقد كشفوا حقيقتهم الدنسة بأنفسهم، ولذا يملؤني التفاؤل بأن الدواعش الإرهابيين هؤلاء، إنما يمهدون بصنائع أياديهم القذرة، طريقهم السريع نحو ركن قصي يليق بهم وبوحشيتهم، في مزبلة التاريخ.