تبدو الرياض، في هذه المرحلة السياسية الدقيقة في حياة العرب والمسلمين، هي المكان الأنسب والأكثر ملاءمة لقمة عربية تحاول وضع خريطة تخرج بها الأمة من هذه المتاهة، التي تضافرت عدة عوامل محلية وأجنبية خارجية لإدخالنا فيها.
والرياض بما بذلته، وتبذله، من جهد لجمع الفرقاء ورأب الصدع بين الإخوة، هي (البيت) العربي المؤهل الوحيد، الآن، وفي هذه اللحظة، لاجتماع القادة العرب في حوار واضح وصريح وشجاع لمعالجة الأوضاع العربية كافة، ووضع الحلول الملائمة والقاطعة لها، عبر رؤية إستراتيجية موحدة يُتفق عليها، وعلى تنفيذها بقوة وصدق.
وأظنه قد بات واضحاً، أن ما يهدد أمن الأمة العربية ومستقبلها ليس انفجار الوضع الوشيك في لبنان وغرب السودان، ولا في الحرائق العراقية، والسورية التي تنذر بتمزيقهم إرباً، ولا في تعنت العدو الصهيوني ورفضه العنيد للسلام، ولا في المناوشات المميتة في الصومال شرقاً وفي الجزائر غرباً، ولا في نذر الفتنة الشيعية - السنيّة التي أطلت برأسها القبيح بين إيران والدول العربية المختلفة. لأن كل ما ذكرناه من مظاهر الفتنة والاقتتال إنما هو انعكاسات سطحية لانشقاقات أعمق تنخر كيان الجسد العربي والإسلامي، تعمل القوى الخارجية المعادية على استغلالها وتعميقها واللعب على تناقضاتها، بما يؤدي في النهاية إلى تمزيق وتجزئة وتشرذم هذا الجسد من داخله.
كانت، وظلت المملكة العربية السعودية، منذ تأسيسها تراهن على العقل والواقعية والشفافية في معالجة القضايا العربية، فلم تتاجر وتزايد على شعار تعرف هي قبل غيرها لا واقعيته وعدم جدواه، أو استحالة تحقيقه.. ولم تناد أو تشجع أو تؤيد الدخول في (مغامرات) لا محسوبة من أجل تحقيقه، فالسياسة هي فن (الممكن) ولا مجال فيها للمعجزات.
وواقع حال الدول والشعوب العربية اليوم وما آلت إليه، يؤكد صحة وسلامة وجدوى المنهج السعودي القائم على الواقعية والعقلانية.
وقد ترسخت هذه القناعة لدى جميع الدول العربية، الشيء الذي يفسر نجاح دورها الإطفائي في كل من لبنان وفلسطين وتهدئة التوتر الإيراني العربي ذي الطابع المذهبي - السياسي، في كل هذه الأحوال لعبت دور الوسيط المبادر.
الوسيط الذي يطرح حلاً يقترح آليات توفيقية وليس الوسيط الذي يعمل على تهدئة التوتر بالتخدير والتأجيل والتعليق الموقت.
وسيط يضع الأسس الواضحة للتحاور والتوافق لعلاقة راسخة.
وأعتقد جازماً أن المملكة مؤهلة لتقود العربة العربية في الطريق الصحيح.