أوشكنا على مضي أربعة أعوام على ثورات عام2011، ونرى كيف أن الوضع في الشرق الأوسط قد أصبح متشحا بالسواد تماما كما كان عليه من قبل، واذا استثنينا «منطقة الخليج» بالكاد تستطيع أن تجد بلدا في منطقة الشرق الأوسط لم يخض تجربة الحرب أو النزاع الأهلي في العقود الأخيرة، وليس هناك مسرح بعد الحرب العالمية الأولى يمكننا أن نرى فيه صراعا تاريخيا دائرا كما هو الحال في منطقتنا العربية هذه الأيام، كما أنه لا يوجد مكان آخر في بدايات القرن العشرين ما زال يضع الأحوال السياسية في نفس الدرجة.
لقد توقف ما يسمى الحرب الباردة في عام 1990م، بعد أن عصفت الحرب الأهلية بأوروبا منذ عام 1914م لتستمر حتى عام 1945م، لكن التوتر قد أطلق ساقيه نحو العالم العربي قبل الحرب العالمية الأولى ليبقى حادا وقاسيا مقارنة بأي وقتٍ مضى. لقد وجد الشرق الأوسط نفسه وبشكلٍ أساسي في نفس الحال تماما كما كانت عليه أوروبا بعد معاهدة فرساي عام 1919م، ويقف أمام خارطة تقسم المنطقة التي تتجاهل التعددات العرقية والطائفية الموجودة هناك.
في دراسة أجرتها مبادرة (الرؤية الإنسانية-Vision of) في (معهد الاقتصاد والسلام) وصل الأثر الاقتصادي لأحداث العنف في العالم عام 2013 إلى 9.8 تريليونات دولار، بزيادة قدرها 179 مليار دولار عن عام 2012 ، وذلك وفقا لمؤشر السلام العالمي. والقراءة في التوجهات التي يدرسها هذا المؤشر عن العنف كالتالي: أين يحدث، وأين سيحدث مستقبلا، وكم يكلف العيش في عالم «يعيش فيه 500 مليون إنسان في دول معرضة لعدم الاستقرار والنزاعات؟
الدراسة تشير إلى أن أكثر البلدان عنفا هي: سوريا، أفغانستان، جنوب السودان، العراق، الصومال، جمهورية أفريقيا الوسطى، جمهورية الكونغو الديمقراطية، باكستان، وكوريا الشمالية، وأخيرا مصر وأوكرانيا اللتان شهدتا ارتفاعا حادا في موجات العنف عام 2013 بحسب التقرير. وأحصى المؤشر النتائج والتصنيفات من خلال النظر في 22 مؤشرا لكل دولة مثل: النشاط الإرهابي، وعدد النازحين مقابل نسبة السكان، والإرهاب السياسي، وعدد جرائم القتل بين كل 100 ألف شخص، وعدد أفراد القوات المسلحة من بين كل 100 ألف شخص. ومن الفئات التي استخدمت لتقدير التكلفة العالمية للعنف كانت النفقات العسكرية، وجرائم القتل، والأمن الداخلي والخاص، وجرائم العنف، والوفيات الناجمة عن النزاعات الداخلية والخارجية، ونازحي الداخل والاجئين، والإرهاب.
لاحظ معي أن هذه الدراسة وإن كانت حديثة هي خاصة بالعام المنصرم (2013). ومن خلال هذه الدراسة يتبين لنا أن الحصة الأكبر لموجة العنف في العالم هي موجودة في عالمنا العربي وبالتأكيد تزايدت هذا العام مع دخول اضطرابات جديدة، إذا ليس واضحا بالنسبة لنا إلى أين يأخذنا هذا الصراع، وماذا سيحصل في الشرق الأوسط في نهاية المطاف. إن السيناريوهات المروعة تعتبر فقط أمرا تخمينيا تماما كالأمل الذي سوف يشق طريقه نحو حدود جديدة أكثر استقرارا وأنظمة سياسية أكثر تحسنا. ولعلي على غير العادة أنهي هذا المقال بسؤالين نبض بهما القلب وحار بهما العقل: من أين أتى الشعور بنقص الشرعية وغياب الثقة الذي سمم الشرق الأوسط؟ وكيف وصلنا إلى هذه الدرجة التي أسماها فرومكن في كتابه بـ»معاهدة السلام التي أنهت السلام»؟

