ما كنا قد درسنا بعد مادة «العلوم» في الصفوف الابتدائية، ومع ذلك عرفنا ـ بلا شرح ولا وسائل إيضاح وبلا لت وعجن ـ نظرية «الأواني المستطرقة».
امتلأت بيوت الحارة بماء المطر فتساوى منسوبه في مساحات الغرف الصغيرة والأحوشة الكبيرة التي تداعت أسقفها ولم تقو على العاصفة.. وذابت الحيطان الطينية كما تذوب قطعة «البسكويت» أو «الشابورة» في فنجان شاي الصباح.
تكوّم الناس كخلايا النحل، يتنادون حماسة وشجاعة لم نعهدها في بعضهم.. يخاطرون فيتقافزون وينقذون.. واجهوا الموت في غير ساعته فهرب!
كنا يومها نحن الصغار نتشبث بملابس الكبار، أثواب الرجال وعباءات النسوة اللاتي كُنّ لنا أمهات. فيندر أن تجد من لم ترضع من ثديها أنت وأطفال الجيران.. وسيتعذّر عليك حتمًا، حين تشب عن الطوق، ويينع الثمر، ويحين القطاف، أن تظفر بصبية نجت من «الرضاع الجماعي»، بغرض «التبعّل»..
وما كُنا «نبصبص» للبنات، فقد درسنا معهن في «كُتّاب» واحد، وقاسمناهن الحلويات وغمّسنا شرائح «القثّاء» في الزبدية كعائلة «ترانزتون»، كانت حقًا محترمة!
حارة كاملة، كأُسرة واحدة، تجمّعت فوق «قوز باغفّار» بجانب بيته الشهير، وهو واحد من أقدم بيوت «البغدادية»، مثل بيت الوجيه «زكي عمر» و»سامي كُتبي» وغيرهما.. وقد كانوا أشهر من أشجار «اللوز الهندي» أو النبق «الحلوي»، التي أوسعناها قطفًا ونتفًا.
غارات حامية الوطيس.. كرٌ وفرٌ بيننا نحن «جن الظهر والعصر»، وبين «نواطير» البساتين.. وإذا لم تكن قد شاعت بعد بين الناس، في ذلك الوقت، معرفة «سُكّر الدم» فيمكننا أن نشخص ـ الآن ـ بلا «تحاليل مخبرية» أنها أعراض أمراض «السُّكر و»الضغط» ولا نستبعد «الماناخوليا» أيضًا!
لا يزال بعض من بقي من النواطير على قيد الحياة يعرفوننا بملامحنا فيضحك الواحد منهم بلا أسنان ويقول «يا واد يا شقي»!