منذ الحروب الصليبية الأولى، وجدت الشعوب الغربية صعوبة في النظر إلى الدين الإسلامي والمسلمين بشكل موضوعي.
هذا الموقف المتحامل انعكس في كتابات المفكرين ومواقف السياسيين لفترات طويلة من الزمن.
على سبيل المثال، يعتبر المؤرخ اللاتيني روبرت الراهب الذي عاصر الحرب الصليبية الأولى (1096) أن المسلمين “عرق خسيس وبغيض، لا يليق بهم سوى الإبادة”.
أما بيرنارد من كليرفو، الذي كان يعتبر أقوى رجل في أوروبا في وسط القرن الثاني عشر، وعهد إليه البابا في ذلك الوقت بالدعوة إلى الحروب الصليبية ورفعته الكنيسة فيما بعد إلى درجة القديسين، فيقول إن المسلمين يجب تفريقهم وإنهاء وجودهم ونفيهم في شتى أنحاء العالم.
هذه الرؤية الثقافية المتحاملة ازدادت بشكل ملحوظ بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية في الولايات المتحدة وتداعياتها، وما تلا ذلك من تفجيرات وهجمات متفرقة في أوروبا ومناطق أخرى من العالم.
وبشكل عام، قد لا يوجد شيء يثير الجدل في العالم المعاصر مثل الدين الإسلامي.
فوسائل الإعلام الغربية تزخر بالقلق من الجهاد وزواج القاصرات ومخاطر بتر الأيدي وقطع الرؤوس والرجم بالحجارة حتى الموت وفقا للشريعة الإسلامية.


تشويه وهجمات مغرضة

لكن مبادئ هذا الدين السماوي وعقيدته تعرضت لكثير من التشويه والهجمات المغرضة والتفسيرات الخارجة عن إطارها الذي وضعت فيه، الأمر الذي أدى في كثير من الأحيان إلى فهم خاطئ لمبادئ الشريعة الإسلامية وشروط تطبيقها.
ولعل ما زاد في تعقيد القضية، أن علماء المسلمين أنفسهم هم الذين تسببوا في نقل صور متناقضة عن الشريعة بسبب التفسيرات المختلفة لعلماء المسلمين عبر القرون الماضية.


رحلة في العراقة

كتاب “إساءة الاقتباس من محمد (صلى الله عليه وسلم)” يأخذ القارئ في رحلة عبر الحضارة الإسلامية العريقة ويبين كيفية وأسباب ظهور وتطور الأفكار والمبادئ المثيرة للجدل في المجتمعات الإسلامية، ويقدم نظرة متعمقة لكيفية تشكل وتبلور بعض الجوانب المهمة من المبادئ الإسلامية.


فترة حساسة

ويأتي هذا الكتاب في فترة حساسة يتعرض فيها الإسلام والمسلمون إلى حملة واسعة من التشويه والتحريف لقيم الدين الإسلامي الحنيف.
فبعض الجماعات المتطرفة تدعي أنها تستند إلى الإسلام فيما تقوم به من أعمال وممارسات إرهابية، لكنها في واقع الأمر تعتمد في كثير من الأحيان على سلخ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من مواضعها وأطرها الأصلية، أو تستند إلى تفسيرات مثيرة للجدل بين علماء المسلمين، لإقناع الناس زورا وبهتانا بأن ما يقومون به يمثل الإسلام الحقيقي.
هذا الكتاب يبين أهمية الابتعاد عن التفسيرات المغلوطة والتي لا تتوافق مع المبادئ والأخلاق في المجتمعات الإنسانية بشكل عام، فالإسلام صالح لكل مكان وزمان ولا يمكن أن تتناقض تعاليمه السمحة مع القيم والمبادئ المتفق عليها بين الثقافات الإنسانية المختلفة.
وينقل هذا الكاتب القارئ من أحداث “الربيع العربي” إلى إسطنبول في فترة سقوط الإمبراطورية العثمانية، ومن الجدران الحمراء في مساجد دلهي العظيمة إلى طرق التجارة الإسلامية في المحيط الهندي، ويبين كيف سعى العلماء المسلمون إلى إيجاد توازن بين العلم والدين، والربط بين الحقائق الخالدة والراسخة في القرآن الكريم والقيم الإنسانية المتغيرة.
كما يعيد الكتاب رواية التاريخ ويلقي الضوء على بدايات ظهور التفسيرات المختلفة لإرث النبي محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم.


تاريخ غني

ويقول الكاتب جوناثان براون إن الهدف الرئيس من كتابه هو التركيز على تحديات تفسير إرث نبي الإسلام محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، واستكشاف التاريخ الغني للتفسير في الإسلام وكيف يجد المسلمون صعوبة في التوفيق بين بعض التفسيرات المختلفة لبعض الأحاديث حتى يومنا هذا.
معظم ما يسعى براون إلى استكشافه، هو موقع أحاديث وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام.
هذه الأحاديث والإرث النبوي العظيم، تم جمعها بالآلاف وتمثل الأساس لكثير من الأفكار والعقيدة ومبادئ الشريعة الإسلامية منذ بداية ظهور الإسلام.
وتحتل هذه الأحاديث النبوية مكانة مهمة جدا لدى المسلمين، لا يعلوها سوى مكانة القرآن الكريم في الشريعة الإسلامية.
ولكن بعكس القرآن الكريم الذي لا يختلف المسلمون على صحته وعدم تغييره منذ تنزيله على الرسول في مراحل مختلفة من حياته، هناك خلافات كثيرة حول مدى صحة بعض الأحاديث النبوية التي جمعت بعد وفاته، وهناك علم خاص في الدراسات الإسلامية يعنى بالأحاديث النبوية التي يقسمها علماء المسلمين إلى تصنيفات مختلفة، مثل الأحاديث المتفق عليها والأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة والأحاديث الضعيفة وغير ذلك، بحسب شروط محددة وصارمة.


عمق النقاشات

ومع ذلك، هناك بعض الاختلافات بين علماء المسلمين حول هذه التصنيفات وحول تفسير بعض هذه الأحاديث.
وإذا كان الأمر كذلك، فما الذي يجعل المسلمين يصرون على الالتزام بهذه الأحاديث النبوية المختلف عليها، والتي يقول بعض علماء المسلمين أن بعضها موضوع وغير صحيح على الإطلاق؟ هذا الكتاب يحاول الدخول إلى عمق النقاشات بين علماء المسلمين حول هذه القضية.
وفي الوقت الذي يركز العالم على الدين الإسلامي ويضع الممارسات الثقافية للمجتمعات الإسلامية تحت الضوء بشكل شبه مستمر، يسعى كثيرون من علماء المسلمين، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى وضع بعض الأمور الحساسة المتعلقة بالدين الإسلامي في إطارها الصحيح.
وفي الوقت الذي يحاول العلماء إيصال الصورة الصحيحة عن الإسلام للمسلمين، فإنهم يسعون أيضا إلى مخاطبة الجمهور غير المسلم وتوضيح صورة الإسلام الحقيقية لهم.
ويشرح هذا الكتاب للقارئ العادي بشكل مبسط أسباب أهمية أحاديث وإرث النبي في الدين الإسلامي وكيف تم تفسيرها من قبل العلماء.
وقد يفاجأ بعض القراء من أن الأحاديث النبوية خضعت لكثير من التدقيق وأثارت الكثير من الجدل منذ فترة طويلة.
أحد أسباب هذا وجود آراء مختلفة حول صحابة الرسول، والتي حاول بعض العلماء بشكل مقصود أو خاطئ أن ينسبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.
وفي الوقت الذي يتفق فيه الجميع على أن القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى، فإن بعض أحاديث النبي مثيرة للجدل، والآراء حولها مختلفة.
هذا الإرث الإسلامي الكبير، رغم مكانته الدينية الرفيعة، إلا أن هناك اختلافات حول مكانة بعض هذه الأحاديث التي يعتبر بعض العلماء جزءا منها غير موثوق به أو حتى موضوعا، في حين يرى آخرون أنها أحاديث صحيحة يمكن الوثوق بها.
هذا الكتاب يحوي تاريخا موثقا لعلم الحديث وملخصا مفيدا لأسماء وتطورات مهمة في هذا المجال، بما في ذلك فتاوى معاصرة لعلماء ورجال إفتاء مشهورين.

 

من هو جوناثان براون؟

جوناثان براون خريج قسم التاريخ في جامعة جورج تاون، ويحمل شهادة الدكتوراه في حضارات ولغات الشرق الأدنى من جامعة شيكاغو.
أجرى براون دراسات في عدد من الدول الإسلامية مثل مصر وسوريا وتركيا والمغرب والسعودية واليمن وإندونيسيا والهند وإيران.
له مؤلفات عديدة في علم الحديث مثل “الحديث: إرث محمد في العصور الوسطى والعالم المعاصر” (2009) و”محمد: مقدمة قصيرة” (2011).

 

يا علماء المسلمين في الغرب: تحلوا بالشجاعة

تحتل أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأفعاله مكانة خاصة بين المسلمين وتساعدهم بشكل كبير في فهم تاريخهم وإيجاد حلول لمشاكلهم الأخلاقية والفكرية والعقائدية.
الكاتب جوناثان براون له مؤلفات سابقة في علم الحديث النبوي، لذلك فإنه يملك خبرة وفهما جيدا لعلم تفسير الحديث وبعض موروثاته المثيرة للجدل.
وهو يحاول في هذا الكتاب أن يربط بلغة واضحة بين بعض الروايات المختلفة للأحاديث، بما في ذلك مقاربات غربية للتفسيرات الدينية، بالإضافة إلى جوانب من رؤية جوناثان براون الخاصة في هذا المجال.
الإشارات المستمرة إلى مفكرين قدماء ومعاصرين ميزة رئيسة في أسلوب هذا الكتاب، وهذا يسمح للقارئ بفهم التاريخ الطويل للمواضيع الأخلاقية المثيرة للجدل.
محتوى الكتاب متجذر بعمق في الفكر الإسلامي لكنه يحوي أيضا مقارنات مع مفكرين غربيين ومسيحيين مثل سانت أوجستين ومارتن لوثر وإيمانويل كانت.
بالنسبة لجوناثان براون فإن العالم الإسلامي الهندي شاه ولي الله الدهلوي (1703-1762) يلعب دورا كبيرا في التاريخ الإسلامي، وهو يشير إليه في أماكن مختلفة من هذا الكتاب.


شجاعة العلماء

ينقل الكاتب القارئ بين الماضي والحاضر من خلال المراجع الإسلامية الكثيرة ليبين كيف أن علماء المسلمين أوجدوا توازنا بين رغبتهم في الحفاظ على مصداقية المراجع الإسلامية والواقع الذي يعيشه الناس في حياتهم اليومية.
يغلف براون هذه التوترات تحت العناوين البليغة للفصول في كتابه، على سبيل المثال “متى لا يكون الحديث صحيحا” أو “الكذب حول نبي الله”.
هذه تتلوها تفسيرات لبعض المواضيع المثيرة للجدل والمفهومة إلى حد كبير بشكل خاطئ، ليس فقط في المجتمع الغربي، ولكن حتى لدى الكثير من المسلمين مع الأسف، على سبيل المثال “القرآن والعنف المنزلي” أو “من الذي يقرر التفسير الصحيح؟”معظم ما يحاول الكاتب أن يفعله يتركز على تقديم تفسيرات مختلفة حول مواضيع هامة مثل زواج القاصرات واستخدام العنف ضد المرأة وغير ذلك من المواضيع، ويصل في بعض الأحيان إلى نتائج مثيرة للاهتمام، لكنه لا يبين موقفه ورأيه الشخصي في كثير من هذه الأمور، ويعرب عن رأيه في أن كل عالم إسلامي يعيش في الغرب عليه أن يتحلى بالشجاعة الكافية ليقول رأيه فيما يعتقد أنه صحيح أخلاقيا.


علم الأخلاق

الكتاب لا يتعلق فقط بالمنهجيات، لكنه يتعلق أيضا بعلم الأخلاق.
إن التعاليم الإسلامية موجودة ليعيشها المسلمون ويطبقوها في مفردات حياتهم اليومية، وهذا يفرض أحيانا صراعات تخص التفسيرات المختلفة لبعض الأحاديث التي تنبثق منها هذه القيم والتعاليم الدينية.
جوناثان براون يطالب العلماء بأن يتخذوا مواقف واضحة وصريحة حول هذه الأمور وألا يختبئوا وراء آراء الآخرين الذين هم بشر مثلهم في نهاية المطاف.
هذا لا ينطبق فقط على علماء المسلمين الذين يعيشون في العالم الإسلامي، فهم لا يمتلكون وحدهم حق تفسير الإرث الإسلامي الغني، بل ينطبق على العلماء الذين يعيشون في العالم الغربي أيضا.