مخبأ سري في حديقة عامةأفاد الكاتب إيان كوبين في مقال نشر بصحيفة «الجارديان» أنه «عثر أخيرا في أحد المخازن التابعة لوزارة الخارجية البريطانية على عدد كبير من الوثائق التي تشير إلى حجم تجارة الرقيق التي كانت تمارس في العهود السابقة، وتشير بعض تلك الوثائق التي يعود تاريخها لـ1662 إلى تورط بريطانيا في تلك التجارة، بينما يرجع تاريخ بعض الوثائق إلى القرن التاسع عشر وتوضح الجهود التي بذلتها المملكة للقضاء على تلك التجارة غير الشرعية»
وأضاف كوبين «أكدت مصادر أن العدد الهائل لتلك الوثائق تم تصنيفه في مليون ومائتي ألف ملف، احتفظت بهم وزارة الخارجية في مخزن سري في حديقة هانسلوب، تتقاسم مسؤولية الإشراف عليه بعض الأجهزة الأمنية المختلفة في باكنجهامشير بالريف الشمالي للعاصمة البريطانية، وكان من المفترض حسب قانون السجلات العامة أن يتم تسليم هذه الوثائق لإدارة الأرشيف الوطني في كيو، جنوب غرب لندن، ولم تتضح بعد أهمية تلك الوثائق، إذ أشار بعض التاريخيين إلى أن ذلك لا يمكن أن يتحقق بدون مطالعتها وفحصها، وهو ما لم يحدث حتى الآن»
الغرق في بحر التعويضاتواستندت صحيفة «الجارديان» في تطرقها للكشف عن الوثائق السرية إلى رأي بعض الباحثين الذين استبعدوا أن يثير الكشف عنها أي مشكلات للمملكة المتحدة، مشيرين إلى احتمال أن تترتب عليها مطالبات مالية، وتنقل عن الباحث في جامعة لندن ومؤلف كتاب «أبواب اللا عودة» ويليام كلير قوله إنه ليس من المرجح أن تشكل تلك الوثائق إحراجا أو مصاعب للإدارة البريطانية، إلا أنه رجح أن تساعد البعض في المطالبة بتعويضات مالية عن الطريقة التي كان يعامل بها أسلافهم
كما تستشهد برأي مماثل للباحث المهتم بشؤون الرق والعبودية نيك دريبر، فقد شكك بدوره في احتمال أن يؤدي ظهور تلك الوثائق في مراجعة شاملة لتاريخ المملكة ومقاومتها للعبودية، لكنه تساءل عما إذا كانت قد تطرقت لاستمرار التجار البريطانيين في تلك التجارة رغم إلغائها في بريطانيا في 1807
وأضاف دريبر الذي عمل كموظف كبير في وزارة الخارجية البريطانية قبل أن يحول اهتمامه للتاريخ، أنه في ظل عدم وجود دستور مكتوب في المملكة المتحدة، فإن القوانين ذات الصلة مثل قانون السجلات العامة تصبح مكونات أساسية يتم التعامل بها في مثل هذه الحالات
غضب أكاديمي ركزت صحيفة «الجارديان» على ما أثاره الكشف عن قيام الخارجية البريطانية بإخفاء تلك الوثائق عن الأكاديميين، والفائدة العلمية التي كان يمكن لهم أن يحققوها إذا ما تيسر لهم الاطلاع عليها
وتقول «أعرب عدد كبير من علماء التاريخ البريطانيين عن غضبهم عن الطريقة التي تم بها حفظ تلك الوثائق الهامة وإخفائها عن أعين الأكاديميين وعدم تمكين العامة من مطالعتها، وطالب بعضهم بمراجعة الإجراءات المتبعة في مثل تلك المخازن الحكومية، وتمكين المواطنين والأكاديميين على وجه الخصوص من الدخول إليها ومطالعة محتوياتها، كما تساءل البعض عن وجود حاجة إلى مراجعة ما تمت كتابته عن أسباب اندلاع الحرب العالمية الأولى وإعادة صياغته من جديد، إلا أن وزارة الخارجية البريطانية تمسكت رغم هذه المطالبات، ورغم الحملة الإعلامية بحقها في منع وسائل الإعلام من الدخول إلى المستودع الذي يقع على مساحة 15 ميلا أو مطالعة محتوياته»
كما أكدت الصحيفة أن المستندات التي عثر عليها لا تقتصر على قضية العبودية والرق فقط، بل اهتمت بقضايا سياسية مهمة أخرى، وتضيف: أشارت بعض المصادر إلى أن المستودع يضم كذلك وثائق مهمة حول هونج كونج وروديسيا، إضافة إلى وثائق عن تبعية جزر فوكلاند التي تتنازع عليها المملكة المتحدة مع الأرجنتين واندلعت بسببها حرب بين البلدين في 1982، وكذلك وثائق باللغة الألمانية عن المحرقة النازية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ووثائق أخرى عن الاتصالات التي أجرتها بريطانيا مع الجنرال جوردون قبل سقوط الخرطوم عند اندلاع الثورة المهدية أواخر القرن التاسع عشر، كما يحمل أحد الملفات اسم «جرائم الحرب الأسترالية»
تهديد الأمن القومي بـ 20 ألف وثيقةوتكشف «الجارديان» عن الأسباب التي دفعت وزارة الخارجية إلى الاعتراف بإخفاء تلك المستندات في مستودع بمتنزه عام، مشيرة إلى أن ذلك سبب خوفا من إمكانية إصدار حكم قضائي يتيح للعامة الاطلاع على تلك الوثائق أو تصويرها، مما قد يؤدي إلى تهديد الأمن القومي البريطاني، لذلك سارعت في الحصول على تفويض من وزير العدل لمواصلة الاحتفاظ بتلك المستندات بعيدا عن الأعين
وتقول الصحيفة «جاء الكشف عن وجود المستودع «السري» كنتيجة للإجراءات التي قامت بها المحكمة العليا عقب نجاح بعض الكينيين في مطالبة الحكومة البريطانية بتعويضات مالية عن سوء معاملتهم بواسطة جنودها خلال اعتقالهم أثناء انتفاضة قبائل الماو ماو خلال الخمسينيات»
واضطرت وزارة الخارجية للإقرار أمام المحكمة بأنها قامت بإخفاء بعض المستندات والوثائق التاريخية، وأنها تحتجز ما لا يقل عن 1500 وثيقة متعلقة بهذا الصراع في مستودع بمتنزهات هانسلوب
وجاء هذا الإقرار نتيجة الضغوط التي مارسها الادعاء بواسطة أحد الشهود من التاريخيين الذي عثر على وثيقة يعود تاريخها إلى 45 عاما وتتحدث عن ذلك الأمر
والحقيقة التي لم تكشفها وزارة الخارجية في ذلك الوقت هي أن ملفات الحقبة الاستعمارية كانت مجرد جزء صغير جدا مما يحتويه مستودع متنزهات هانسلوب، وبدلا من ذلك فقد طلبت من وزير العدل البريطاني كريس جرينجلينج بتوقيع مذكرة تفوضها بالاحتفاظ بحوالي مليون و200 ألف وثيقة أخرى بطريقة قانونية، وهو ما تحقق بالفعل دون أن يتم الإعلان عنه»
وثائق المستعمراتوزادت الوزارة في إقرارها بأنها تحتفظ بحوالي 8800 ملف تحتوي على سجلات تتعلق بـ37 مستعمرة سابقة في متنزهات هانسلوب، وأنه تم تسليمها إلى إدارة الأرشيف الوطني، التي أفادت بدورها أن العدد الحقيقي للوثائق يبلغ 20 ألف وثيقة
وشككت الصحيفة في عدد الوثائق التي أعلنت الخارجية البريطانية أنها تحتفظ بها في متنزهات هانسلوب، مشيرة إلى أن الوزارة تراجعت عن العدد الذي صرحت به في البداية، وهو ما يرفع احتمال أن تكون قد قامت بفرز الوثائق الأكثر أهمية وسرية وأخذها بعيدا، وربما الاحتفاظ بها في أماكن أخرى
وتقول «لا يعرف على وجه الدقة العدد الحقيقي للملفات التي تم الاحتفاظ بها خارج إطار إدارة السجلات العامة، ومع أن وزارة الخارجية قالت في البداية إنها نحو مليون و200 ألف وثيقة، إلا أنها عادت في بداية العام وقالت إن عددها لا يتجاوز 600 ألف
مما يعني أن العدد المتبقي لن يتم إظهاره أمام العامة أو وسائل الإعلام، كما أظهرت بيانات جرد حديثة أن بعض تلك الوثائق يعود إلى 1852
وكانت الوزارة أعلنت في وقت سابق أن مقدار المستندات التي احتفظت بها بصورة غير قانونية تم إخراجها للعلن، إلا أن عملية الجرد والمراجعة أثبتت وجود صندوقين كتبت عليهما عبارة «سري للغاية»، و6 صناديق أخرى تحتوي على مستندات تتعلق بقسم جرائم الاحتيال الكبرى»
إجراءات قانونيةوتختم الصحيفة تقريرها المثير للجدل بالإشارة إلى الخطط التي تنوي الحكومة البريطانية تنفيذها لاستمرار إشراف وزارة الخارجية على بعض الوثائق بعيدا عن القنوات المعروفة، وأكدت أن الوزارة احتاطت لكل الظروف التي يمكن أن تحدث، وذلك عبر تقنين كل خطواتها، وجعلها بعيدة عن أي ملاحقة قانونية مستقبلا، وتقول: كشفت وزارة الخارجية خلال اجتماع مع المجلس الاستشاري للأرشيف الوطني عن خططها لكشف بعض المستندات أمام الرأي العام، ويختص المجلس عادة بالنظر في طلبات الإدارات الحكومية لحجب بعض المستندات الهامة المتعلقة بالأمن القومي، وأحيطت جلسة المجلس التي عقدت في نوفمبر من العام الماضي بالسرية ولم يسمح لوسائل الإعلام بتغطية أحداثها
كما قال مكتب نائب وزير الخارجية ديفيد ليندينجتون في تقرير أمام مجلس النواب: إن بعضا من تلك المستندات سيتم نقله خلال السنوات الست المقبلة، ولا يزال من غير الواضح المقدار الذي سيتم نقله من تلك المستندات، ورغم أن ليندينجتون أكد تعهد وزارته بالوفاء بالتزاماتها بإدارة السجلات العام بأكبر قدر ممكن من الشفافية والوضوح، إلا أنه لم يقدم أي تفاصيل عن خطة نقل المستندات، ولم يصرح بالوقت الذي يحتاجه تنفيذ الخطة أو التكلفة المالية المتعلقة بها
أثار الكشف عن وثائق جديدة تكتمت عليها الحكومة البريطانية، نظرا لحساسيتها مع بعض الدول، خاصة الأفريقية منها، ضجة كبيرة في الأوساط العلمية والإعلامية، ويتوقع أن تثير شكوكا في مصداقية التاريخ الإنجليزي، واحتمالية التورط في قضايا تعويضات أو المطالبة باعتذارات رسمية على أقل تقدير
وتتضمن الوثائق مستندات عن العبودية التي كانت سائدة خلال القرون السابقة، وتثبت تورط العديد من تجار الرقيق البريطانيين في إساءة معاملة الأفارقة الذين كانوا يجلبونهم من القارة السمراء
ولم تقتصر القضايا التي تتناولها تلك الوثائق على قضية العبودية والاتجار بالرقيق فقط، بل شملت كثيرا من القضايا التي تهم الأمن القومي البريطاني، مثل تبعية جزر فوكلاند التي تتنازع عليها المملكة المتحدة والأرجنتين، واندلعت بسببها حرب خاطفة في 1982، وكذلك وثائق تتعلق بهونج كونج وروديسيا، ووثائق أخرى عن المحرقة النازية التي وقعت أثناء الحرب العالمية الثانية
وشكل الكشف عن تلك الوثائق والمستندات ما يمكن وصفه بـ»الصدمة» عند كثير من المؤرخين الذين استغربوا إقدام وزارة الخارجية على إخفاء تلك الوثائق عن أعين الأكاديميين والمهتمين بالتاريخ، مؤكدين أن ذلك التصرف يخالف القانون الذي يوجب أن تكون مثل هذه الوثائق تحت إشراف إدارة السجلات الوطنية، ومتاحة للعامة والمتخصصين
1.2 مليون وثيقة سرية تشكك في مصداقية التاريخ البريطاني
7 دقائق للقراءة

حجم الخط
