يعاني أهل غزة وأهل فلسطين عموما من استعمار هو الأشرس في التاريخ الحديث، وهذا الاستعمار له خصائص من التوحش تميزه عن غيره من أنواع الاحتلال.
استعمار ديني وعقائدي مبني على أوهام وأساطير وأكاذيب توظف الديني مع الانتقام الحاقد، وهو استعمار ظالم لكنه مشرع بقوة القانون وقانون القوة، فإسرائيل دولة محتلة اعتدت على فلسطين وشرع اعتداؤها من قبل الأمم المتحدة.
هذا الاحتلال لا يعترف للفلسطينيين بحق الوجود والحياة وبالأحرى حق المقاومة مثل باقي شعوب الدنيا.
هذا الاحتلال مدعوم بشكل استثنائي ومحير من الدول الغربية التي لا ترى في جرائمه ضد أطفال ونساء وشيوخ فلسطين سوى «حق الدفاع عن النفس».
لا توجد دولة في العالم اليوم على ظهر البسيطة تستبيح شعبا بأكمله (تقتل، تختطف، تأسر، تعذب تشرد، تبعد) سوى إسرائيل.
لم يعرف التاريخ المعاصر إجماعا غربيا على وصف المقاومة التي هي حق لكل الشعوب المعتدى عليها بالإرهاب سوى المقاومة الفلسطينية التي ضاعت بين عدوان إسرائيل وخذلان الأمة لها.
لمواجهة هذا الاستعمار الذي جمع بين القوة والشراسة وعدم الرحمة، اجتهد أهل فلسطين على مر أجيالهم في مقاومة المحتل وفق ما تتيح لهم الظروف، جربوا الكفاح المسلح منذ عقود من الزمن كما جربوا المسارات السلمية.
جرب أهل غزة مثل باقي الفلسطينيين المقاومة بأساليبها المختلفة ابتداء بالحجر ثم مناوشات الشارع مع جنود الاحتلال ثم رمي الأدوات البسيطة على الجنود وتطورت المقاومة بعد ذلك إلى انتفاضة مسلحة تمكن المقاومون فيها من ضرب العدو بشكل مباشر وقاتل، وتطورت المقاومة المسلحة من مرحلة عمليات متقطعة وعمل مجموعات محدودة إلى فصائل مسلحة تطور بعضها إلى مرحلة بناء الجيش المنظم.
وفي هذا السياق نركز قليلا على بعض الإنجازات العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية التي اتهمها بعض الكتاب بأنها عرضت الشعب الفلسطيني في غزة لمجازر ومآس، واعتبروا أن أسلحتها لا تضر ولا تنفع ولم ينصف هؤلاء الكتاب أهل غزة ولم ينظروا نظرة متوازنة لهذا الصراع المعقد ولم يواسوهم حتى بكلمة طيبة.
أدخلت المقاومة الفلسطينية سلاح الصواريخ لأول مرة في الصراع مع إسرائيل سنة 2001م، كانت الصواريخ في تلك المرحلة بدائية جدا إذ لم يكن يتجاوز مداها 1 كلم ولم يكن وزن الحمولة التفجيرية يتجاوز 5 كجم أما اليوم فيزيد مداها عن 80 كلم.
وعندما أدخلت المقاومة سلاح الأنفاق في المواجهة لم تكن تلك الأنفاق سوى ممرات وحفر تمكن بعض المقاومين من التخفي والتسلل، أما اليوم فإن الأنفاق تعتبر أحد الأسلحة الاستراتيجية التي تهدد إسرائيل حسب اعتراف الإسرائيليين.
أنجزت المقاومة سلاحين استراتيجيين هما الأنفاق والصواريخ وبذلك تغيرت قواعد الصراع بشكل ملموس هذا فضلا عن تطور صناعة الأسلحة بشكل عام مثل مضادات الدروع والقنابل ومدافع القنص التي أعلنت المقاومة عن ابتكار نوعي فيها خلال العدوان الحالي على غزة، ويعزز كل تلك الإنجازات كونها تمت في ظروف حصار محكم.
خسائر إسرائيل:وجه بعض الكتاب كما ذكرنا اللوم للمقاومة الفلسطينية وحملوها مسؤولية العدوان الإسرائيلي على غزة وسخروا من صواريخها وبلغ بعضهم درجة الشماتة في المقاومة، لكن لنستعرض قليلا بعض الخسائر التي تعرضت لها إسرائيل:تدمير 315 مصنعا و19 مؤسسة مالية، وإجمالا قدرت الخسائر الاقتصادية لإسرائيل بسبب صواريخ المقاومة بحوالي 4.
5 مليارات دولار حسب التقديرات الإسرائيلية.
هذا فضلا عن مقتل 64 جنديا وضابطا من قوات النخبة وجرح المئات منهم، ومما يعزز حجم الإصابات ما ذكرته وسائل الإعلام الإسرائيلية من أن ألف كرسي متحرك أرسلت إلى المستشفى الذي يعالج فيه جرحى الجيش الإسرائيلي.
القتال المحترف:أظهرت المقاومة بشهادة الإسرائيليين أنفسهم احترافا عاليا في القتال والتكتيكات ومن أمثلة ذلك: استخدام الأنفاق ومفاجأة العدو من خلف خطوطه.
استخدام وسائل التمويه بصورة ناجحة ومفاجئة للإسرائيليين.
استخدام القذائف والمتفجرات ضد الدبابات والآليات الإسرائيلية باحتراف عال.
استخدام أسلوب القنص بكفاءة ضد الجنود والضباط الإسرائيليين.
تصوير بعض العمليات العسكرية للمقاومة مثل عملية ناحول عوزر التي أذهلت الإسرائيليين وأشعرتهم بالإهانة.
الإعلان المسبق في وسائل الإعلام عن موعد ضرب تل أبيب وتنفيذ الضربة في الوقت المحدد.
إدارة الحرب النفسية والإعلامية بجدارة باعتراف الإسرائيليين أيضا.
ظهور صناعات حربية للمقاومة مثل الطائرات بدون طيار.
إدخال الضفادع البشرية في المعركة واقتحام بعض القواعد العسكرية.
توازن الرعب:أظهرت هذه الحرب رغم الفارق البين في موازين القوى أن المقاومة تمكنت من تغيير قواعد الصراع والوصول لمرحلة توازن الرعب والردع ومن شواهد ذلك: توقف حركة الطيران المدني في مطار بن غوريون.
إرغام أعداد كبيرة من سكان إسرائيل على التزام الملاجئ.
هروب معظم سكان منطقة غلاف غزة ورفضهم العودة إلى مساكنهم خوفا من صواريخ المقاومة.
ولولا توازن الردع وامتلاك المقاومة لهذا المستوى من القوة لما جلس الإسرائيليون للتفاوض، وهل لو لم تكن إسرائيل تحسب حسابا للمقاومة كانت ستسحب جيشها بمجرد إعلان الهدنة وقبل بدء المفاوضات.
ليس الهدف هنا أن نثبت أن المقاومة هزمت إسرائيل عسكريا أو أن غزة لم تتضرر من العدوان الإسرائيلي، فلا أحد ينكر حجم الكارثة التي أصابت أهل غزة، ولا أحد ينكر أن إسرائيل متفوقة عسكريا على المقاومة في غزة، لكن في المقابل يجب أن نعترف وبشكل موضوعي أن أداء المقاومة تحسن بشكل جلي خلال هذه الحرب وهذا نتيجة تراكم خبرات سنوات طويلة من الممارسة والتدريب والاستعداد للمواجهة، فهذه المقاومة التي نقلت الصاروخ من مدى لا يتجاوز 1 كلم سنة 2001 إلى أكثر من 80 كلم ونقلت طاقته التفجيرية من 4 كجم سنة 2001م إلى 95 كجم سنة 2014 يعني بالضرورة أن سلاح المقاومة في المواجهة المقبلة سيكون أكثر كفاءة.
لذلك يقتضي العدل أننا إذا لم نؤيدهم فلا أقل من إنصافهم والحكم على أدائهم بشكل موضوعي ومتوازن، أما تحميلهم مسؤولية ذبح إسرائيل للأطفال والنساء فذلك هو الظلم بعينه فإسرائيل تقتل أهل غزة تارة بالدبابة والصاروخ وغالبا بالخنق والحصار، فالضحايا في غزة هم أبناء أو آباء أو أمهات أو زوجات أو أخوات هؤلاء المقاومين أو هم أنفسهم.