كنتُ أعتقد أن لا شيء أكثر ضرراً من الفساد الإداري والمالي في البلد، لكنني اكتشفت أمس أن خوف المتضرر من الفساد والمفسدين هو الأكثر خطورة، لأن خوف المتضرر من سطوة الفاسد رغم يقينه بالظلم البائن الذي وقع عليه يعني أن الفساد لن ينتهي مهما تعاظمت أحلام (نزاهة)!
هذا الاكتشاف جسّده لي القارئ (عبيد حمود) الذي راسلني موضحاً (بالوثائق) الظلم الذي وقع عليه، وكلفه خسارة ما يعادل (عشرة رواتب) كان من المفترض أن يحصل عليها لولا الخطأ الذي وقعت فيه الجهة (الحكومية) التي يعمل بها، هذه الجهة - كما يقول عبيد - اعترفت بالخطأ، و(تفهمت) الظلم الذي وقع على الموظف، وأوضح له (مديره) أن حقوقه (ممكن) أن يستردها، لكن ذلك يعني الرفع للموظف بأن تُصرف له مستحقاته (بأثر رجعي) وهذا سيكشف للوزارة التقصير والتسيب الذي وقعت فيه هذه الجهة، مما (قد) يعني تعرّض المسؤول (للمساءلة) وليس (المحاسبة).
قلت لعبيد: بما أنك متضرر والخطأ ليس خطأك فطالب بحقّك ودع من ارتكب الخطأ يتحمل مسؤوليته.. لكن لعبيد رداً مقتضباً، يقول: المدير قال لي (إن طالبت بحقك ستحصل عليه ولكن)، ثم وضع عبيد أيقونة بملامح ساخرة، سألت عبيد: هل تمانع بنشر قضيتك؟ فرد: بالطبع أرفض، فضياع جزء من حقوقي المالية خيرٌ من تجريب طرق المدير التي تؤدي إلى حافز!
سألته: إذن ماذا تريد أن أفعل؟ فرد بذات الأيقونة الساخرة: سلامتك!
ومع كلمة (سلامتك) شطح تفكيري - وهو عادة ما يشطح - وتخيّلت أنه يوجد (إرهابي) يحمل بيده (كلاشينكوف) وعلى وسطه يبرز (حزام ناسف) واقتحم الجهة التي يعمل بها عبيد، هذا الخيال أخذ سيناريوها مُتخيلا، حيث إن عبيد لو أبلغ عن الإرهابي فهذا يعني أن تُشكل لجنة تأتي لرؤية الإرهابي، والتأكد أن السلاح الذي يحمله سلاح حقيقي ويحمل (طلقات حيّة)، وأن الحزام الناسف فعلاً محشو بالموت والدمار، هذه الاحتمالات ستجعل عبيد يفكر قبل الإبلاغ عنه، ويطرح على نفسه الكثير من الأسئلة، فمثلاً: ماذا لو تأخرت (اللجنة) عن الوصول، وعلم الإرهابي أنني أنا المُبلغ؟ ماذا لو تخلص من الأسلحة التي يحمل قبل وصول اللجان وظهر بريئاً أمامهم ونظر لي نظرة تقول (الوعد قدام)؟
كل هذه الأسئلة ستكون مُقنعة وواقعية إذا كانت هي الخيار بين أن تفقد مالك أو تفقد حياتك!
السيناريو المُتخيل أعلاه رغم رعبه لا يعني فقط أننا لن نقضي على الفساد إلا إذا تعاملنا معه بحزم وبحثنا عن الجذور كما فعلنا ونفعل مع الإرهاب، بل إن عبيد كما هو في السيناريو المُتخيل السابق صنعنا منه (مشروع إرهابي)، فبحسبة بسيطة (واقعية) يكون الإرهابي (أخذ حقه وزيادة)، أو ما يعتقد هو أنه حقّه، ولهذا من المنطقي أن يتحول عبيد، أو على الأقل يفكر بالتحول إلى إرهابي، لا سيمّا أنه سيجد كثيرين ممن يقنعونه بأن الجميع متواطئ ضده، وأن الحقوق لا بد أن (تنتزع) بالقوة، ويُمهد له الطريق من مفكري الموت حتى يصل لقناعة أنه صاحب القضية العادلة، وأن انتحاره وقتل الآخرين معه ما هو سوى تضحية ليس بسبيل قضيته وحده بل إن ذلك يعني أنه قدم روحه تضحية لأجل الإنسانية جمعاء، وبذلك حاز الحسنيين في الدنيا والآخرة!
في الختام، أنا أجد ألف عذر لتخلي عبيد عن حقوقه، فببساطة لو حصل عبيد على حقوقه، وأقيل المدير - مثلاً - فسيجد عبيد نفسه بمشاكل عديدة، فالمدير لدينا ليس شخصا بل (لوبي)، فالتسبب بإقالته أو حتى نقله سيجعل المدير الجديد ينظر لعبيد نظرة ريبة وضيق، فهو الذي تسبب بفصل المدير السابق، وسيكون للمدير اللاحق هاجس يجب التخلص منه، وهذا المنطق (واقعي) بعيداً عن مصطلحات القانون والنظام، وبهذا أقول لمدير عبيد لو قرأ هذا المقال بأننا لا نعنيه، فالمسألة فقط توارد خواطر بين المسؤولين الفاسدين لا أكثر!