السياسات والاستراتيجيات المشينة للعالم الغربي أوصلت هذا العالم تقريبا إلى حافة الدمار. من أفغانستان إلى سوريا وفلسطين ومصر والعراق وليبيا، وعدد كبير من الدول الأفريقية تحترق، والوضع معقد لدرجة كبيرة. تدخلات الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين نتج عنه سقوط ملايين الضحايا وانتشار الفوضى ودمار هذه البلدان وتقسيمها دون أن تكون هناك أي نتائج إيجابية. في جميع البلدان التي ذكرتها بدأ الناس يصيحون بصوت عال أن حياتهم كانت أفضل بكثير قبل التدخل الغربي. كانت هناك أنظمة دكتاتورية قمعية في هذه البلدان، ومع ذلك فإن الناس كانوا يعيشون حياة أفضل من الحياة التي يعيشونها الآن. سياسة التدخل الغربية جعلت الناس يصلون إلى استنتاج بأن الغرب يهدف إلى إضعاف جميع الدول الإسلامية، وقد حققوا هدفهم إلى حد كبير. ليس هناك بلد إسلامي الآن يمكن القول إنه نجا من الآثار المباشرة أو غير المباشرة لتدخلات الغربية. باكستان تقاتل حركة طالبان داخل حدودها، وتركيا بدأت تتخوف من اقتراب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) من حدودها بالإضافة إلى مشاكلها مع الأكراد، والصراع السني – الشيعي امتد ليشمل عدة بلدان في العالم الإسلامي.
فشل السياسة الغربية يبدو أكثر وضوحا في العراق، حيث سقطت مناطق واسعة من هذا البلد تحت هيمنة تنظيم داعش الذي أثبت أنه أكثر خطورة من نظام صدام حسين السابق بكثير. سلطة الحكومة العراقية تكاد لا تمتد أبعد من حدود العاصمة بغداد وضواحيها وهي تواجه أسوأ اضطرابات منذ الاحتلال الأمريكي. بعد امتناعه عن التدخل في العراق لسنتين تقريبا، فوض الرئيس الأمريكي باراك أوباما القوات الأمريكية بتوجيه ضربات جوية ضد تنظيم داعش في محاولة لإنقاذ أبناء الأقلية الإيزيدية وإيصال المساعدات لهم.
الشيء نفسه تقريبا ينطبق على أفغانستان حيث يزداد الوضع الأمني سوءا حتى قبل رحيل قوات التحالف الغربية من البلد. سيطرة الحكومة الأفغانية محدودة على العواصم الإقليمية، فيما سقط الكثير من المناطق الريفية تحت سيطرة حركة طالبان. هناك أعداد متزايدة من العمليات العسكرية ضد هؤلاء المتمردين يقتل فيها المئات من الجانبين، وسيزداد الأمر صعوبة على قوات الأمن الأفغانية والأفغان بشكل عام. الأمل الوحيد أن تحل مشكلة الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل ويمضي البلد على طريق الديموقراطية بحيث يسقط الحل العسكري. إذا كانت الولايات المتحدة لا تريد أن يكون مصير أفغانستان مثل العراق فإن عليها إعادة النظر في سياسة التخلي عن أفغانستان في نهاية 2016. ما لم يحقق البلد الاستقرار الاقتصادي والسياسي وتنجح قوات الأمن الأفغانية في مواجهة جميع التهديدات الداخلية والخارجية فإن التخلي عن أفغانستان سيكون تكرارا للموقف عندما غادرت القوات السوفيتية أفغانستان وبدأت فصائل المجاهدين المختلفة صراعا داميا بينها.
الوضع أسوأ في أفريقيا. القتال وانعدام الأمن والانقسامات الإثنية أثرت على هذه القارة بشكل كبير وأعادتها عدة عقود إلى الوراء. هذه الأسباب قد تكون أيضا قاعدة لحروب وصراعات أخرى في المنطقة قد تمتد سنوات طويلة.
لقد سقط عشرات آلاف الضحايا في هذه البلدان وخسرت الولايات المتحدة وأوروبا مئات ملايين الدولارات بسبب السياسات الغربية الخاطئة. لذلك، قبل اتخاذ قرار بالتدخل في دولة من الآن فصاعدا، على الدول الغربية أن تفكر جيدا في أهداف هذا التدخل وكيفية تنفيذه. قليلون من أبناء هذه الدول يؤيدون التدخل العسكري الغربي في بلدانهم والغالبية العظمى تعد ذلك دليلا على فشل الاستراتيجية الغربية.
من ناحية ثانية، يجب على الدول الغربية ألا تبرر استراتيجياتها بمخاوف أو توقعات مبالغ بها أو لا أساس لها من الصحة. في كثير من الأحيان يكون الهدف من التدخل هو إسقاط حاكم أو نظام لا تتماشى سياساته مع المصالح الغربية ووضع شخص مفضل للغرب. وكثيرا ما تجد الولايات المتحدة نفسها تكرر نفس اللعبة بعد فترة من الزمن لأن الشخص الذي ساعدت على جلبه إلى السلطة لم يخدم مصالحها بالشكل المطلوب.
وفي معظم الحالات فإن التدخل الغربي الخارجي يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا وإنفاق موارد هائلة دون تحقيق نتيجة إيجابية مرضية. وقد يكون من الأفضل للدول الغربية استثمار مواردها في بناء المدارس ودعم المشاريع الزراعية وتقوية المؤسسات السياسية الديموقراطية بدلا من إنفاقها في التدخل العسكري.