للمجتمعات المغلقة خصائصها التي تدل عليها وتبرز عيوبها وعلاتها، وهذا قدرها وشأنها مر التاريخ، معظم الدراسات والتجارب تميل بقوة إلى تأكيد قصر خطى المجتمعات المنغلقة على طريق التسامح فضلا عما تتطرق له الدراسات والبحوث من دلالات تاريخية تؤكد في طريقها على أن المجتمعات المنغلقة مقاومة لمتغيرات العصر ويميل أفرادها إلى فرض الوصاية على الآخر والتفكير بالنيابة عنه إلى حد يكاد أن يغطي معظم شؤون الحياة. يقول علم الاجتماع على لسان البارزين من رواده إن المجتمع المنغلق «سلطوي يحترم الإكراهات» وفيه مسحة عشائرية نزعتها واضحة في محاولات إلغاء الفرد، ولعل هذا من الأسباب الداعية إلى ضعف المجتمع المنغلق في تجاوز الاختلاف. وفي المقابل تكون «المجتمعات المنفتحة» بحسب أهل الاختصاص قائمة على التواصل بين مكوناته ابتدأ وبذلك يتحقق الترابط. وفي كل الأحوال والظروف للفرد في المجتمع المنفتح اعتبارا يجعل منه قيمة علياء للمجتمع. عموما جل الدراسات الاجتماعية والتاريخية إذا جاز القول تشير إلى وجود خطوط تعارض بين المجتمع المنغلق والمجتمع المنفتح.
المشكلة ليست في فهم هذا أو ذاك، المشكلة في المجتمعات التي يصعب على المرء تسميتها أو تحديد مكانها على أسس واضحة يمكن معها التوصيف والتصنيف في إطار المؤشرات الدالة على المجتمع المنفتح أو المجتمع المنغلق. المشكلة في المجتمع الذي يبدو خليطا من كل شيء ومع هذا يصعب قبض طرف خيط أو ضبط دالة يستقوي بها المرء لتحديد موقع هذا المجتمع على الخارطة البشرية. المشكلة فعلا في المجتمع الشاكي المتذمر الذي يريد من يتحدث عنه بالإنابة، إما لانتزاع حقوقه أو لتسوية أوضاعه وتحقيق مطالبه ويتنكر فيما بعد لأي دور إيجابي ويفرق عرق المجهودات على العشيرة دون إغفال لهازل أو نطيح.
المشكلة الحقيقية في المجتمع الذي يمجد الفساد صمتا ويتقرب من كل فاسد عن طريق نسب أو شراكة عمل أو خلاف ذلك مما هو في ذات الدرجة والمسار ولا ينكر على الفاسد سوء عمله. المشكلة باختصار في المجتمع الذي يرى في الإخلال بأخلاقيات المهنة شجاعة وفي تجاوز الأنظمة بطولة.
الخلاصة لا منغلق ولا منفتح، مجتمع يتحدث كثيرا ويشكو بمرارة يقبل الآخر ويرفضه وفي سوق المزايدات كأنه يعيش على بقايا أساطير التاريخ، والأهم أنه حينما تقف إلى جنبه وتتفاعل مع قضاياه يخذلك.