البنوك السعودية كلها تقريبا أصبحت تعمل فيما يتعلق بالقروض على طريقتين متوازيتين، الطريقة الأولى هي الطريقة الاقتصادية المعتبرة في العالم كله، وهي التي تسمى (التقليدية، أو الربوية)، والطريقة الثانية هي ما يسمى (الصيرفة الإسلامية) التي نشأت منذ ثلاثة عقود تقريبا، وجاءت مواكبة واستجابة لسطوة ما سمي بـ(الصحوة)، فوجدت فيها البنوك فرصة رائعة لامتصاص دماء الناس بطريقة (شرعية)، فهذه الطريقة (الإسلامية) بدأها بنك واحد دعمته فتاوى ولجان، وأصبح مضربا للمثل في التقوى والانضباط الشرعي على ألسنة الدعاة الجدد والوعاظ المقلدين، فشهد هذا البنك إقبالا منقطع النظير، الأمر الذي حدا بالبنوك الأخرى أن تحذو حذوه، فأسعفها بعض الفقهاء بمسميات شرعية مغرية لأنشطتها الإقراضية المسماة (إسلامية)، فاستعادت حيوية نشاطها المالي الذي كادت تفقده، واحتفظت بعملاء كادوا ينصرفون عنها واجتذبت آخرين.
هناك - كما هو معروف - اختلاف بين العلماء في تفسير ماهية (الربا)، وفي صور تطبيقاته على تعاملات البنوك (التقليدية) في القروض، والاستثمار، لكن دعك من هذا عزيزي (المقترض)، فهو باب فقهي واسع قد يصعب استعراضه وترجيح الآراء فيه على غير المختصين، دع ذلك، وخذ مثالا تطبيقيا قد تكون الآن بصدده، أو أنك جربته، وهل يوجد من لم يكتو بنار القروض؟
(وسع صدرك، وتحمل مع صديقنا، وكفيلنا، الزميل العزيز: خالد الأنشاصي على طول المقال و... ودقق وتأمل)، وافترض معي أنك بحاجة إلى قرض نقدي مقداره (مليون ريال) لتسدده للبنك خلال عشر سنوات، وافترض أن النسبة التي طلبها منك البنك على طريقته الربوية خمسة بالمائة، وعلى هذا فإنك ستسدد البنك خلال عشر سنوات بالترتيب (150، 145، 140، 135، 130، 125، 120، 115، 110، 105)، والآن اجمع المبالغ ستجد أنك سددت المليون بمليون ومائتين وخمسة وسبعين ألف ريال، أي أن البنك ربح منك 275 ألف ريال خلال عشر سنوات.
أما إن أردت نفس المبلغ مليون ريال على (الطريقة الإسلامية) المزعومة، فإن البنك سيفرض عليك نفس النسبة لكنه لن يبلغك بها، أما أنت فيجب أن تدون في الاستمارة المبلغ الذي تريده وهو (مليون ريال)، وسيقول لك الموظف وأنت جالس أمام مكتبه، بعد أن تستكمل كافة الشروط «تشتري حديد، أو اسمنت، أو ذهب، أو ... أو ... تراب!» فتختار إحدى السلع المعروضة، فيقول لك الموظف: هذه قيمتها مليون ونصف المليون، مع أنك لم تحدد الكمية ولا هو حددها، لكن الموظف يعرف أنه يكذب عليك وأنت تعرف أنه يكذب (الفرق بينكما أنك محتاج ومصدق لشرعية الإجراء)، وإلا فلا سلعة موجودة ولا يحزنون، وإنما الموجود والمحدد سلفا هو نسبة خمسة بالمائة سيأخذها البنك على المبلغ كله مضروبة في عشر سنوات، ولهذا سيشتري منك في نفس الجلسة بمليون ريال فقط، ويصرف لك المليون الذي طلبته، وتصبح مديونا للبنك بمليون ونصف مليون ريال، أي بزيادة عن الطريقة الربوية بنحو الضعف (225 ألف ريال)، وهذا كله يتم بحيلة (شرعية)، فأيهما أكبر مكسبا للبنك (الطريقة الربوية التي يحرمها البعض بهذه الصورة، أم الحيلة الشرعية التي يكسب فيها الضعف)، وأيهما أفضل لك كمقترض أن تأخذ بفتوى من يبيح هذه الصورة من التعاملات البنكية المسماة ربوية فتأخذ مليونا بمليون ومائتين وخمسة وسبعين ألفا، أم تأخذ بفتوى من يحرمها فتلجأ لحيل (الصيرفة الإسلامية) فتأخذ مليونا بمليون ونصف مليون، وأنت لم تقبض سلعة ولم ترها، ولا البنك نفسه يملكها أثناء عملية (التكاذب) المكشوف بينك وبين موظف البنك عندما باعك واشترى منك على مكتبه، في عملية استغفال واضحة.
أيها المقترض المحتاج استفت قلبك، وفكر بعقلك، وناقش الأمر مع أصدقائك ومعارفك وزملائك الذين اقترضوا نقدا، أو اشتروا سيارات أو عقارات، وستجدون جميعا أن ما يسمى (صيرفة إسلامية) ليست أكثر من خدعة، وحيلة لمصلحة البنوك وهواميرها، وأن المقترضين بموجبها ليسوا سوى ضحايا مغفلين تم استغلالهم باسم الدين.
بالمناسبة، لو كنت رئيس مجلس إدارة بنك في المملكة لأعلنت - ظاهريا- أن جميع تعاملاته (صيرفة إسلامية)، مثلما فعل أول بنك طبقها، وصدقه الناس، وانهالوا عليه، وتنادوا إلى الاقتراض منه، ولم يدققوا في تلك التعاملات، ومدى ما فيها من استغلال واستغفال، فالفتاوى أعمتهم عن التدقيق، أو التفكير، والحاجة أجبرتهم، وأنا أحدهم، لكن يبدو أن بقية البنوك وبوعي فكرت جيدا في المدى الزمني لموجات الاستغلال والاستغفال باسم الدين، فاحتفظت لتعاملاتها بخط رجعة واستمرت على الطريقتين، مؤملة - وهي محقة - أن العقل الجمعي سيستيقظ ذات يوم قريب، ويكتشف الناس الحيلة التي انطلت عليهم، ويعودون بوعي إلى (استفت قلبك، وحكم عقلك، ولا تسأل، ولا تصدق الفقهاء الذين يقبضون مكافآت مليونية على فتاواهم من البنوك) اسأل خبراء الاقتصاد الذين تتأكد وتثق أنهم غير مؤدلجين، ولا مستفيدين، ولا تنس (قلبك وعقلك أولا وأخيرا و... وجيبك).
(الصيرفة الإسلامية) احتيال صريح: استفت قلبك وعقلك وجيبك... ومن لا يقبض!
قينان الغامدي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
