السياقات التاريخية التي تبلورت فيها العديد من النصوص خندقتنا وعذبتنا وألزمتنا بما لسنا ملزمين به، ووجدنا أنفسنا بعد ردح طويل من الزمن ننتصر للسياقات لا للمعنى، ننتصر للرؤوس وليس للعقل. للنصوص وليس للإنسان، وما ظاهرة الرؤوس التي يفجعنا بها الإعلام تارة على المشانق، وتارة في قدور، وتارة على مصطبات الجهل والوحشية إلا نتاج سياقات ضلت الطريق إلى العقل وجوهر الألوهية والاستخلاف في الأرض.
أم تفجع بابنها الذي ذهب لقتال إخوانه في الإنسانية والدين وتموت هلعاً، أم تفجع بأب مهووس يحمل طفليها إلى جحيم الرؤوس الملتحية. وآخر يصور طفلا وهو يحمل رؤوساً مقطوعة. ما هذا المرض المصابة به الأمة تحديداً؟
إن ظاهرة الرؤوس هذه هي تحديداً أحد أمراض التدين التي تحدث عنها الغزالي قائلا: «أمراض التدين المنحرف تتشابه على مر العصور، جرثومتها الأولى، جفاف الشعور وضيق التفكير وقسوة القلب والانسلاخ العام من الفطرة والتعلق الشديد بالمراسم والصلف بمعرفة الحق، والميل إلى سوء الظن ومعاملة المخطئين بجبروت. وها هو التاريخ يعيد نفسه.
فكما كان هناك العصر الحجري والعصر الطباشيري نحن اليوم في العصر الدموي، عصر الرؤوس، فالمتدين يقول إننا نريد بناء هذا المجتمع عبر تطبيق مذهبنا الديني، وكل مذهب يريد تطبيق... إلخ.
عندما يتحول العقل إلى منظومة مغلقة لا تنتج إلاّ مقدماتها، فهذا يعني أننا أمام الرأس الدموي، وهذه هي خاصية العقل الأيديولوجي. وحين يظهر الرأس الدموي الأيديولوجي يغيب العقل.
العقل في النص القرآني ليس ذاتا، وإنما فعل، والفعل هو نتيجة الأفكار. ولكن أي من هذه الأفكار صحيحة؟ ولماذا يعتقد كل واحد من هؤلاء بأنه على حق؟ إنها الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين وهي تجارة رائجة جداً في عصور التراجع الفكري للمجتمعات.