أزعم أن حاجتنا للوعي الثقافي في لحظتنا الراهنة هذه، أكثر من رغبتنا بها في كل المراحل الزمنية التي عاشتها هذه البلاد المباركة، حيث تتقاذف شبابنا - وهم النسبة الأكبر في مجتمعنا - البطالة التي تقودهم إلى مهاوي الجريمة، والخواء الفكري الذي شجع قادة التطرف الديني الجهادي، لتلقف صفحاتهم الرقيقة البيضاء، ليكتبوا فيها ما يهددون، بحبر الدم المسفوح من الرقاب الآمنة!، والفراغ التعليمي التربوي الذي جعل منهم نماذج مفعمة بالعجز عن استيعاب نداءات الحضارة! هذه الحاجة الملحة لمعطيات الثقافة، شاء لها القدر أن تتزامن مع اضطلاع قامة جليلة بالشأن الثقافي في بلادنا تحديدا، من تلك القامات الشابة التي اكتسبت تعليما عاليا حقيقيا وامتلكت موهبة صادقة باستشراف الفضاءات الثقافية الخالصة، وتجردت من الأهواء والمصالح.. ولا شك أني أقصد د. ناصر الحجيلان (وكيل وزارة الثقافة والإعلام للشؤون الثقافية).. وبالتالي فما دامت تلك الحاجة حقيقة ملحة، ورجل المرحلة - كما أرى ويرى الكثير - بحجم تحديات تلك الحاجة المتأزمة، فلنداءات هذا النثار ما يبررها، ولعلي أختزل أبرز تجلياتها في النقاط الآتية:
1 - الثقافة التي نحتاجها هي المعطى النظري لأهم مؤطرات العلوم والمعارف والفلسفات التي صاغت الزمن الجديد بمفرداتها وغاياتها وتأثيراتها على البنى الاجتماعيةالتي تستطيع من خلال تلك المؤطرات القبض على الشواهد الحقيقية للحق والخير والجمال، مما يسمو بتلك البنى الاجتماعية إلى الآفاق الأكثر سموا من حدود الغايات الغريزية المحدودة، والتأويلات النفعية الضيقة، والوعي بالكون على أساس الأيديولوجيا في شكلها (الواحدي) النمطي!
2 - نحتاج أن تتجاوز هذه الثقافة النخب (التي لا تهش أو تنش) للمجتمع كله (مدنه وقراه). ما الفائدة من ثقافة (نمطية) تطرح في غرفة - أو حتى قاعة - ضيقة بوجود عشرين أو حتى ثلاثين مشاركا (في أحسن الحالات)، والمدينة تغرق في جهل مقيت وجاهلية جديدة؟
3 - إعطاء الفرصة في الفعل الثقافي لفاعلين آخرين، غير الذين ما زالوا (يجترون) ثقافة، لم تتعد أسماعنا إلى وعينا (الكلي)، المؤثر في مجالات التطبيقات الثقافية المنتجة الحضارية، خاصة وأن هؤلاء الفاعلين (المهيمنين) لا يريدون أحدا يشاركهم (الثقافة)، وقد ذكرت في نثار سابق أن ثمة قائمتين (ذهبية وفضية) لا تتجاوزان (العشرين) ما بين ناقد ومفكر ومبدع، هم المكلفون بالنهوض بأعباء جميع فعاليات الثقافة (بتبادل الأدوار فيما بينهم .. فذلك ناقد لشاعر في أمسية، وفي أمسية أخرى يتبادلان ذاتهما الدورين)، وسميت أصحابها بالأسماء! إذن كيف تنهض ثقافة بعشرين فردا؟ ثم كيف تضطلع هذه الثقافة بدورها المعرفي الحاسم.. بهم؟
4 - المعيار الذي تم فيه انتخاب قادة المؤسسات الثقافية في التشكيل الجديد، هو حجم تأثير المنتخب في الإطار العملي الوظيفي الذي يمثله (العالم الأكاديمي غالبا)، فجاء إلى سدة الأندية والجمعيات الثقافية أساتذة أكاديميون (من ذوي الوجاهة والشعبية)، لم يمارسوا بفعالية أيا من تصنيفات الأدب أو النقد أو المعرفة الفلسفية لهما، ولم يكونوا - يوما - على قرب من الذين يتعاطون أجناس الثقافة بوجعها اللذيذ في أماكن اللقاءات ذات الحنين. فكان من الصعب أن يتحمل هؤلاء الأساتذة عبء إدارة إنتاج الثقافة في المجتمع، فضلا عن إنتاج ثقافة مغايرة! ولذلك، فإن الهشاشة التي ترى تلك القيادات نفسها عليها تجعل ظهور مثقف حقيقي في الأفق القريب تهديدا يكشف المستور، فلا مناص حينئذ من مواجهة كل من تسول له نفسه الاقتراب باللا مبالاة أو الصد المباشر (لدي من الدلائل ما يؤكد ذلك التفاعل الموتور والمتأزم بين أصحاب الثقافة الخالصة وتلك القيادات الطاردة)، وبالتالي فإن استمرار هذا الوضع البيروقراطي، يجعل ترقب مخرجات عمل المؤسسات الثقافية ضربا من الاستحالة والعبث.
5 - أهمية انسجام خطاب الثقافة ببقية خطاباتنا المحلية: الدينية والتعليمية والاجتماعية، مع الوعي بأن خطاب الثقافة في الأمم الناهضة هو الخطاب المهيمن، الذي يتكفل بصياغة بقية الخطابات، بطريقة (صحيحة) ومنتجة (إذ الملاحظ لدينا: أن ما ينتج من خطاب الثقافة أحيانا، يحرمه الخطاب الديني، وما يفرزه الخطاب التعليمي، لا يتسق في حالات كثيرة مع شروط العلم والمعرفة الخلاقة في الخطاب الثقافي العام.. وهكذا)! يا معالي الوكيل.. يا د. ناصر: لقد اتجهت بنثاري إليك، فاتسق - إذن - الطالب مع الطلب والمطلوب، فبانتظار تحقيق الأهداف العظيمة بإذن الله.
يا د. الحجيلان: الضرورة ملحة الآن لخطاب الثقافة!
فيصل الجهني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
