النظام العالمي الذي وُضع بعد الحرب العالمية الثانية وفقاً للواقع الاقتصادي-السياسي في تلك المرحلة تعرض لتغييرات جذرية خلال العقود الأخيرة. كجزء من عملية العولمة، بدأت عوامل الإنتاج والتجارة والتكنولوجيا والنمو تنتقل إلى دول غير غربية، خاصة في شرق آسيا. بالنسبة للهيمنة على العالم، تعيد الولايات المتحدة بالتدريج دورها الدولي من سياسة التدخل إلى سياسة الانعزال. أوروبا تتحول إلى رجل العالم المريض منذ 2008. مجموعة من اللاعبين الناشئين مثل الصين، وروسيا، وتركيا، وإيران تبدي استعدادا لملء فراغ القوة في مناطقها للحفاظ على النظام وفقا لقيمها وأساليبها. نتيجة لتحول القوة العالمية وتراجع الغرب، يفشل نظام الحكم العالمي كثيرا في هذه المرحلة وتتآكل القيم الحالية، وتقوم الجماعات السياسية بزعزعة استقرار الدول الهشة بسهولة، فهل نحن مستعدون لمواجهة مثل هذه المرحلة المضطربة؟
إحدى القضايا الرئيسة للعلاقات الدولية هي كيفية إقامة السلام والنظام العالميين، وسبل الحفاظ على الاستقرار بعد تحقيقه. شبح عدم الاستقرار يحوم حول العالم مؤخرا. الموجات السياسية الجديدة تترك آثارا دائمة في البلدان التي تضربها. موجات الاضطرابات الاجتماعية التي اجتاحت تركيا والبرازيل في صيف 2013 أصابت أوكرانيا والبوسنة وتايلاند وفنزويلا وأفريقيا الوسطى. علينا أن لا ننسى الصراعات الداخلية الدائرة في سوريا ومصر والعراق ولبنان. هل العالم على وشك الدخول في مرحلة من الفوضى؟ إذا كان الأمر كذلك، ما هي العوامل الاجتماعية-السياسية التي تغذي هذه الاضطرابات؟
من ناحية ثانية، الأزمة المالية التي بدأت في 2008 ضربت الولايات المتحدة وأوروبا بقوة. التجمعات على نمط G20 ليست كافية لتلبية مطالب وتوقعات القوى الناشئة، لذلك بدأت تجمعات عالمية جديدة تتشكل.
الليبرالية الجديدة هي قيمة أخرى فقدت مصداقيتها في بيئة من الاضطراب والأزمة. النقطة التي يجب التشديد عليها هنا هي رغبة الناس في الديمقراطية كنظام سياسي. لكن الدول الغربية والنخبة السياسية في الدول النامية لم تعد تؤكد أن هذه الديمقراطية يجب أن تكون ليبرالية لحماية الحرية والأمن والنظام والاستقرار.
السبب الآخر لزيادة الاضطراب على المستوى الدولي هو التغير السريع في ميزان القوى. الولايات المتحدة والدول الأوربية اهتزت بقوة الآن بسبب الأزمة السياسية والاقتصادية. في هذا الإطار، يمكن اعتبار تجمعات مثل دول البريكس (BRICS) على أنها منابر تضامن في بيئة من فراغ القوة والاضطراب في النظام العالمي بسبب نهاية الهيمنة الغربية على العالم.
لقد أدت التطورات في تقنيات الاتصالات إلى ثورات كبيرة في أساليب الاتصال. الإعلام الاجتماعي أصبح ظاهرة عالمية وزاد فرص التواصل بين الناس. لكنها من ناحية أخرى تعطي الحكومات فرصة جديدة للسيطرة على الحياة الخاصة للناس.
إن النظام العالمي يتحول إلى وضع أكثر فوضوية مقارنة بالماضي. ومن ناحية أخرى فإن ضعف الغرب يضعف قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. يمكن القول إن أعنف الصراعات في المستقبل من المرجح أن تكون في المناطق التي تكون فيها خطوط الصدع الجيوسياسية هشة وبين قوى تحاول حفظ النظام والاستقرار وفقاً لقيمها ومصالحها من خلال السيطرة على المناطق التي تحيط بها.
هل نحن مستعدون لمواجهة الفوضى العالمية القادمة؟
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
