انتهاكات حقوق الإنسان ثقافة ملازمة للكيان الإسرائيلي الرابض على تراب فلسطين، فمن احتلال الأرض وتهويدها ومحاولة طمس هويتها والتنكيل بأصحابها ومصادرة حقهم في العيش الكريم ونقض معاهدات السلام واحدة تلو أخرى، إلى الإبادة الجماعية التي ترتكبها حماقات الصهاينة ضد الإنسانية في كل حرب تشنها على الفلسطينيين، وما ارتكبته من مجازر في الحرب الأخيرة - التي لا تزال اتفاقيات إيقافها تتأرجح بين هدنة وأخرى - يمثل جزءا من تلك الثقافة الدموية إذ أمطرت القوات الإسرائيلية بلدات قطاع غزة بوابل من الأسلحة الحديثة والمتطورة راح ضحيتها أبرياء من النساء والأطفال والمدنيين العزّل الذين واجهوا عمليات إرهابهم بصدور عارية، لكنها تملك قوة المطالبة بحقها المشروع في أرضها والمدافعة عنها، ولم يقف العدوان الإسرائيلي عند هذا الحد بل تجاوزه إلى ما هو أشد من القتل بممارسات تعرت من كل قيم الأخلاق والإنسانية، حيث منعت سلطات الاحتلال عددا من الطواقم الطبية من الوصول إلى غزة لعلاج ومساعدة الجرحى والمصابين في مشافي القطاع، كما منعت وصول المساعدات والأدوية بالإضافة لوكالات الإغاثة واللاجئين، ولعل الرسالة التي وجهها عدد من الأطباء الذين شهدوا بما رأوا من مجازر جماعية لم ترضَ ضمائرهم الحية ومهنتهم الإنسانية السكوت عليها، فجاءت رسالتهم التي نشرتها مجلة (اللانست) الطبية مصوّرة ومنددة ببشاعة العدوان، ومتحدية تبريرات الاحتلال بما أسماه (العدوان الدفاعي)، وتضمنت الرسالة - ترجمها عدد من الأطباء ومنهم الدكتور وليد فتيحي في زاويته بصحيفة الوطن الأسبوع قبل الماضي - وصفا لفظاعة العدوان حيث تقول: (يشلنا الهلع من هذا الهجوم العسكري الشرس على سكّان غزة العزّل بذريعة معاقبة الإرهابيين)، مبينة أن الأمر لم يختلف عنه في الحروب السابقة منذ عام 2008، والحق أن صفحة سلطات الاحتلال ملطّخة بالدماء، فهذه الرسالة امتداد لرسائل سابقة نطقت بها ضمائر حية راعها ما شاهدته في قلب الأحداث، فقد جاء في شهادة مماثلة على مجزرة (صبرا وشاتيلا) في عدوان القوات الإسرائيلية على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان عام 1982م بأنهم لم يروا فتكا وقتلا وترويعا أكثر مما رأوه في ذلك العدوان، وقبل ذلك ما شهدته (يافا) من مجازر جماعية عام 1933م، وكررت إسرائيل سيناريو (الحرب الخاطفة) في حربها على لبنان 1996 وكذلك حربها على غزة في 2006، وهو ما تضمنته شهادة الأطباء في رسالتهم المفتوحة الأخيرة، ولست هنا بصدد تعداد المجازر الدموية التي ارتكبها ويرتكبها جنود الاحتلال ضد الفلسطينيين، بقدر ما هي إشارات لسلسلة من الاعتداءات المتكررة التي تجسد إرهاب الدولة، وتلقي بكل القيم الإنسانية والقرارات الدولية خارج حساباتها، وهذه الثقافة الإرهابية هي الخيار الأول الذي قام عليه احتلال أرض فلسطين وهو ما تنبأ به أحد زعماء الصهاينة في مقولته: (إن العالم سيصدر حكمه على الصهيونية والصهيونيين على أساس الطريقة التي يعاملون بها عرب فلسطين)، وهو بهذا يترجم الخيارات المطروحة أمام الاحتلال في تهويد الأرض، وطرق كل السبل التي قد تزحزح أصحابها الشرعيين عن تراب وطنهم، فاعتمد الاحتلال ممارسة صنوف الإرهاب من جرائم الإبادة الجماعية، وحملات الاعتقال والتعذيب، وعندما فشلت خططه تلك لجأ لتطبيق سياسة (الموت البطيء) بفرض حصار مفتوح على قطاع غزة منذ 2006، وزادت حدته بأجواء الحرب التي أتت على مقوّمات الحياة واستهدفت كافة أماكن وجود الفلسطينيين الذين يتضورون جوعا وعطشا في زمن الحريات وحقوق الإنسان.
شهادات طبية تعري جرائم الحرب الإسرائيلية
عبدالله بن خميس العمري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
