لحث الشباب على فضل (صلاة الفجر)، روى أحد الوعاظ نقلا عن ثقة أخبره، نقلا عن ثقة شهد الحادثة بنفسه، فقال: أرادوا توسعة طريق في منطقة عسير، وكانت مقبرة قديمة تعترضه، فحصلوا على فتوى بنقلها، وأثناء عملية فتح القبور وجدوا جثة لشاب ميت منذ ثلاثين سنة، لكنها كانت طرية وكفنها جديد وكأنه دفن منذ يوم واحد فقط، فلا تحلل ولا عفن، فحملوا الجثة إلى والد الشاب الذي ما زال حيا، وسألوه: ماذا كان يفعل ابنك هذا؟ وبعد أن تعرف عليه، قال: كان لا تفوته صلاة الفجر (سبحان الله)!!
ولحث الشباب على الجهاد، استدعى واعظ آخر من أساطير التراث قصة أخرى لا تقل غرابة وتناقضا عن السابقة، وهي قصة (ذات الشكال) التي ضحت بضفائرها الطويلة لتكون رباطا لفرس في سبيل الله، ثم بعثت ابنها ذا الخمسة عشر ربيعا ليصبح شهيدا (مبتسما) في سبيل الله، لكنه قبل استشهاده رأى في المنام قصره المذهب في الجنة وحوريته ووصيفاتها اللواتي ينتظرنه في باحة ذلك القصر، فاستيقظ وهو مصر على الذهاب إلى الجنة وحورياته هناك، ولم يجد وقتا لرواية حلمه لناقل القصة (وهو واعظ كاذب قديم) إلا وهو يحتضر، طالبا إبلاغ أمه المجاهدة بشكالها بقصة طفلها الشهيد، وما إن بلغها النبأ حتى أقامت الأفراح، (سبحان الله العظيم)!
وفي نفس الإطار (الجهادي) روى واعظ متمكن من جدول الضرب، أن للشهيد في الجنة سبعين حورية، ولكل حورية سبعون وصيفة، فيكون الناتج أربعة آلاف وتسعمائة حورية، ولكل حورية قصر فيه سبعون وصيفة، فكم يكون المجموع؟ ويقضي الشهيد في كل لقاء مع إحدى الحوريات زمناً مقداره سبعون سنة، فكم سنة يحتاج ليمر على حورياته كلهن، وهو قطعا سيمر عليهن؟ عدد لا نهائي من الحور، وزمن لا نهائي من المتعة. (سبحان الله العظيم)!
وروى (واعظ يحمل دكتوراه وهمية)، أن ثقة حدثه نقلا عن ثقة نقلا عن (مغسلة أموات من النساء) في إحدى مغاسل المساجد، أن امرأة مسنة ماتت، فعجزت المغسلة وبنات وأقارب المتوفية عن نقلها إلى طاولة الغسيل من عظمة ثقل جثتها مع أنها نحيلة الجسم، فسألت المغسلة إحدى بناتها عن السر في رفض الجثة أن تتغسل، فقالت وهي تنتحب: لقد كانت مصلية متصدقة طيبة، غير أنها كانت شديدة التأنق وتلبس (البنطال)، وتحب السخرية والمزاح (سبحان الله العظيم)!
و... و... وليس جديدا أن هؤلاء الوعاظ (القصاص) كذبة، يختلق بعضهم قصصا لا أصل لها، فيتناقلها زملاؤهم وخلفاؤهم، ولكن الطريف أنه ما زال هناك من يصدق، ويتأثر، ويبكي، ولا سيما أن معظم الوعاظ يورد أسطورته بنبرة صوتية تتناسب مع حركة أبطالها، فتجده يصرخ، ويستحث تكبير الحضور والسامعين وتأمينهم على ما يسرد من أكاذيب، وبعضهم قد يرى أن الكذب في سبيل الترغيب أو الترهيب حلال، فتجده يحفظ عشرات القصص أو يختلقها لتحقيق هدفه، وبهذا يترقى في درجات الوعظ حتى تجده يفتي ويحلل ويحرم، وتستضيفه القنوات ويكثر حوله المريدون، فيستمرئ نشر وتكريس جهله بين الناس الذين يتحولون إلى حماة ومناضلين عن واعظهم الذي أصبح في نظرهم (ذا لحم مسموم)، والحقيقة أن عقله ولسانه مسمومان، وعقول تابعيه ومصدقيه غائبة!!
يقول الشريف حاتم العوني في مقاله الأسبوعي يوم الجمعة الماضي بصحيفة المدينة: (سمحت الأمة للوعاظ الجهلة أن يقودوها، دون تفريق بين وجوب انحصارهم في الوعظ، ودون تحقق من عدم أهليتهم للفتوى، فضلاً عن جعلهم مرجعية للأمة في حل مشاكلها الدينية والدنيوية، وخلطت الأمة بين فقهاء العلم وحفاظه، فسموا الحفاظ (ممن حفظوا بعض مقولات العلم وحفظوا بعض متون الفقه) علماء وفقهاء، وسمحوا لهم بالبروز على أنهم العلماء، رغم سطحيتهم وقصور نظرهم وكثرة تخليطهم وسوء تقديرهم للأمور.
سمحت الأمة لهذين الصنفين من جهلة المتدينين الذين لديهم موهبة الوعظ أو الحفظ في أن يقودوها، في ظل غياب دور أهل العلم الحقيقيين، في ظل غيابهم وراء ستار تغييبهم أو غيابهم!!) انتهى.
وأضيف من عندي: وهكذا أصبح الجهل قائدا، والتطرف سائدا، واندحر العقل، فتعددت محاضن الجهل والتطرف التي استغلها حركيون ومهووسون بالتسلط والسلطة، فتعددت مراحل الوحشية باسم الدين حتى وصلنا إلى مرحلة (داعش) التي تذبح الناس مثل (النعاج) باسم الدين، وبفتاوى وأدلة الوعاظ (رواة الأساطير)، وأرجو ألا يكون القادم أشنع.
استباحة الكذب لخدمة الدعوة: الوعاظ (رواة الأساطير)
قينان الغامدي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
