في كل مرة أسمع فيها عن تدشين إحدى خدمات قطاعات وزارة الداخلية (الجوازات، المرور، الأحوال المدنية) الكترونيا، حتى تتشكل في ذهني صورة لصالة استقبال المراجعين وهي خالية من المراجعين والموظفين، إلا من الحالات النادرة أو الطارئة.
غير أن هذه الصورة أصابها شيء من التشويش وأنا أقرأ التقرير الذي نشرته صحيفة «مكة» مطلع الأسبوع الماضي على صفحتها الأولى، وبينت فيه الزي الرسمي المزمع اختياره لمنسوبي الأمن العام، والذي رجحت مصادر مطلعة أن يكون أسود، تماشيا مع اللونين الأبيض والأسود اللذين اختارتهما مديرية الأمن العام لمركباتها، لتمييزها عن كافة القطاعات الأخرى، وسيبدأ العمل به مطلع العام المقبل.
ولا أخفي سرا إذا قلت إن هذا الاختيار أصابني بالحيرة والقلق لسببين، الأول لكونه يأتي بعد دراسة 5 خيارات جميعها داكنة هي (الأسود، والأسود بدرجة مختلفة، وشبيه باللون الحالي، والكحلي، وأخيرا الزيتي) في بلد يعاني من ارتفاع درجات الحرارة طوال أيام السنة، وبالتالي فإن ارتداء رجال الأمن لهذا الزي سيجذب أشعة الشمس لهم، وسيعوقهم عن أداء مهامهم بكل يسر وسهولة.
والثاني بسبب أن وزارة الداخلية التي نجحت بامتياز في برمجة معظم خدماتها الكترونيا، بحيث يمكن لأي شخص لديه امتياز الدخول على بوابتها الالكترونية من تنفيذ خدماتها دون الحاجة إلى وجوده في أحد مراكزها، أرى أنها بتلك الجهود تتجه نحو الاعتماد على الآلات، قدر الإمكان، عوضا عن الأفراد، ما يعني أن العنصر البشري المكتبي سيتقلص إلى أدنى درجاته تدريجيا، لعدم الحاجة إلى نفس الأعداد السابقة لتنفيذ أعمال أقل.
ولكن مع اختيار الزي الجديد غير المتناسب مع طبيعة أجواء المملكة الحارة، أخشى أن يصاحب تزايد الأعمال الالكترونية بقاء ذات الأعداد من رجال الأمن في مكاتبهم عوضا عن نزولهم إلى الشوارع، خاصة وأن غيابهم الملحوظ عنها بزيهم الرسمي تسبب في تفشي الفوضى المرورية والحوادث الجنائية وانتشار العمالة المخالفة، في وقت تتزايد فيه الحاجة والتحديات، أكثر من أي وقت مضى، لحضورهم وبقوة لفرض سطوة القانون بين الناس.
الأكيد أن الحلول الالكترونية التي تعمل الجهات الأمنية على تطبيقها تدريجيا لمواكبة أفضل الخطط والبرامج العالمية لمكافحة الإرهاب والجريمة والتخلف، لم تغفل يوما وجود رجال الأمن بزيهم الرسمي وانضباطهم السلوكي طوال ساعات عملهم اليومي بين الناس، حتى في أفضل الدول المعتمدة على المراقبة الالكترونية تجد أن التقنية تعمل جنبا إلى جنب مع انتشار رجال الأمن.
ولذلك إن لم يتم الدفع بالفائض من رجال الأمن عن حاجة الأعمال المكتبية إلى الميدان، فإن الخشية أن تأخذ هذه الحالة إما شكلا من أشكال البطالة المقنعة، أو استمرار غياب رجال الأمن عن الشوارع، وفي كلا الأمرين أجزم أن رجال الداخلية لا يحبذونهما.

 

[email protected]

alnowaisir@