يعود المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي، مجددا، إلى موضاعاته المفضلة التي تدور حول عالم المال والأعمال والعصابات والصفقات المشبوهة، فبعد استراحة سينمائية عبر فيلم «هوغو» الذي استعاد فيه بصورة شاعرية مرهفة ذكرى السينمائي الفرنسي الرائد جورج ميليس، ها هو صاحب «عصابات نيويورك» يعود مرة أخرى إلى المضامين السينمائية التي تجذبه، والتي باتت عنوانا رئيسا لمعظم أفلامه، عبر فيلم «ذئب وول ستريت» (The Wolf of Wall Street) الذي رشح لخمس جوائز أوسكار
يستند الفيلم إلى حكاية حقيقية، إذ يتناول سيرة رجل الأعمال الأمريكي المعروف جوردن بلفورت (جسد شخصيته بمهارة ليوناردو دي كابريو)، الذي نشط في أسواق البورصة واستطاع أن يجمع ثروة طائلة عبر الاحتيال والتلاعب وخداع المستثمرين، وهو رفض التعاون مع السلطات الأمريكية، لكنه سقط أخيرا بعدما بلغ القمة
الفيلم الذي كتب له السيناريو تيرينس وينتر، يرصد محطات هامة في سيرة رجل الأعمال هذا، ويروي ملابسات وتفاصيل صعوده من قاع الفقر إلى قمة الثراء الفاحش بفضل تلاعبه بالبورصة، وتحايله على المستثمرين وتسببه في إغراق السوق بخسائر كبيرة
وبدا واضحا قدرة سكورسيزي على ضبط إيقاع الفيلم لأكثر من ثلاث ساعات، وقدرته كذلك على النفاذ إلى أعماق هذه الشخصية وإظهار نهمها وطموحها إلى الاستحواذ على كل شيء بمعزل عن المبادئ والقيم والأخلاقيات، والحفلات الصاخبة والباذخة التي كان يقيمها في سبيل عقد صفقات مشبوهة، فمبدؤه يختزل في مقولة مكيافيلي الشهيرة «الغاية تبرر الوسيلة»
علاوة على ذلك، فإن سكورسيزي يعرف كيف يضع حكايته ضمن قالب سينمائي محبب، ومشوق، إذ يعرض لقطات فلاش باك حينا، لينتقل منها إلى الواقع الراهن، وهو يمزج بين السرد السينمائي الخاص، وبين رواية الشخصية الرئيسة التي تظهر أحيانا وكأنها تتحدث للكاميرا

كل ذلك يجري ضمن توليفة مونتاجية مضبوطة تهدأ حينا وتتصاعد أحيانا في سعي للإحاطة بحياة رجل الأعمال المحتال والتفاصيل المثيرة التي اكتنفت حياته
يقول بطل الفيلم دي كابريو في أحد لقاءاته إنه التقى غوردن شخصياً من أجل التقرب من الشخصية، وأنه سمع منه حكايات أبشع وأفظع بكثير مما تضمنه الفيلم، بل إن ما أخبره به يستحيل أن ينقل إلى الشاشة، أو حتى أن يصرّح به
الفيلم من بطولة ليوناردو دي كابريو بدور غوردن، إضافة إلى جونا هيل وجون دوجردان وماثيو ماكونهي ومارغوت روبي وجون فافرو وكايل تشاندلر