يقضي كثير من الذين يتوقعون الموت وقتاً حاسماً في كتابة وصاياهم حتى يتركون أثراً في موصى له يقرأ بعدهم هذه الكتابة الأخيرة في الحياة، وقد يجعلون من تلك فرصة لاستخدام أساليب وعبارات لها وقع في النفوس تبني لهم جسراً في ذاكرة الأيام عندما ترحل أجسادهم. والغريب في هذه الوصايا أو بعضها ما يحلو لبعضهم من العودة للموروث العتيق بكل تعبيراته وكأنهم بذلك يستحضرون حزناً ضرورياً في الوصيَة المقروءة، فيعكفون على مراجع دوّنت وصايا المشاهير من الأدباء والوعَاظ والخلفاء لينقلوا لذويهم صفحة من التراث يعتبرونها إرثاً بجانب أموالهم، وتكمُن المُعضلة عندما يروق للمتوفّى تعقيد الأمور وإيهامها بمصطلحات تستلزم فكَ شفرات وطلاسم، والرجوع لخبراء في التعبيرات، وكأنه يحاول أن يُشرك ورثته فيما يعانيه من مشكلة نفسيّة وتعقيدات فسيولوجيّة شَعَر بها في احتضاره وهو يرى شريط ذكرياته. أحدُهم قرأ عليَ وصيَة قريب له مستنجداً بي في فهم ما يرمي إليه حيث أوصى رحمه الله بربع قيراط من ثلث أرض استصلحها وأخوه وله فيها ثمن العشر، مع أنّ القراريط وحدة قياس قديمة الشكل والمضمون وصاحبنا هذا توفي قبل كتابة هذا المقال بسنة ونصف، أي بعد اختراع الأمتار والمقاييس الهندسية بقرون. ماذا يضرّ الموصين لو ختَموا حياتهم بفسحة من التسهيل والتيسير على القراء ليأخذوا وصاياهم بعين الاعتبار ويكون ذلك حافزاً لتنفيذها وعدم كتمانها إنفاذاً للأمر الشرعي؟ أم أنّ الأمر جرى على قاعدة أنا ومن بعدي الطوفان؟ ومثلما تعوّدنا عليه في الأفلام القديمة فسيناريو الوصيّة عند الأغنياء العقيمين تصاحبه حبكة دراميّة تأخذ من عقولنا وقتاً نقضيه في تخمين كيف ستكون وصيّة هذا المحنّط بعد وفاته؟ ليأتي الفرج في آخر الفيلم على يد المحامي أنّه أوصى بماله لخادمته أو سائقه أو حتى جمعية الرفق بالحيوان، وآخرون يميلون لأن يكون في وصاياهم خريطة كأنها تطلبُ البحث عن الكنز في مغارة، ليكون الجهد والتعب محطة عمرية مستقلة لكل الوارثين الباحثين عن الثراء من خلال الوصول لمدفن الدنانير أو الدّوانق والقراريط، ولا يكون عجباً أن نرى في أحد المرّات من يكتب وصيّته ويطيح بها في محيط الشبكة العنكبوتية وفق رقم أو كلمة سرية تُجمَع من أثر حلّ رموز الكلمات المتقاطعة فيفوز بها من أدمن قرصنة معلوماتيّة حديثة دخلت حتى في عالم الأموات. ما أميلُ إليه أن يختار الإنسان ذكراه بعد أن يموت بتقديم العون لورثته وأهله بإفهامهم الصحيح الواضح بشكل مباشر، أو تركهم في حالهم دون وصيّة يتحملون مسؤولية ما آل إليهم دون فضل ممن توفّي وعقّد الأمور.
وَصِّ.. لكن لا تعقّدها
محمد أحمد بابا2 دقائق للقراءة

حجم الخط
