تؤكد الدراسات أن التنشئة الريادية والمجتمعية المبكرة للأطفال من أحد أهم أسرار تفوقهم كقادة للأعمال أو متميزين بالمستقبل. هناك أدوار كبيرة ومنتظرة من المسؤولين في وزارة التربية والتعليم تجاه الإعداد القيادي والمجتمعي للطلاب. فتقدم الجانب الصناعي للدول يعتمد بشكل كبير على الثروة البشرية والتي هي بالأساس مبنية على مجموعة السمات الشخصية والقيم التي تحدد للإنسان كيفية التعامل مع المشكلات ومع الآخرين. تلك السمات والقيم تبدأ في تشكلها منذ المراحل العمرية الأولى للإنسان حيث تتركز معظم بذور الإبداع - عشق الاستكشاف والاستعداد الفطري لاستقبال شتى المعارف والأدوات والقيم وتقليد النماذج والتطبع السريع بها والتحرر من قيود المفاهيم المشوهة والوعي المضاد.
تتضمن تلك السمات والقيم قدرات عديدة من بينها، على سبيل المثال، النظر إلى “المشكلة” كـ”تحدٍّ” يمكن التغلب عليه، مهارات معالجة المشكلات، الإصرار والصبر، الاعتماد على النفس، التعلم الذاتي ومهارات البحث، الإبداع والتميز والإنجاز، استكشاف الفرص، جعل الفشل سبيل للتعلم لا للإحباط، الإيمان بالنفس والثقة فيها ولو كانت البيئة غير مشجعة، مهارات التواصل والعروض التقديمية، مهارات العمل كفريق وتنظيم المجموعات، المرونة وتقبل التغيير والاستماع للآخرين، الشعور بالغير والإحساس بالمسؤولية تجاههم ومحاسبة النفس.
إن تلك السمات والمهارات ليست ناتجة عن عملية توارث جيني بين المتميزين دون غيرهم بل هي باقة من الأدوات المعرفية التي يمكن تعلمها وتطبيقها ونقلها عبر الأجيال. تمثل هذه الأمور الشريان النابض للحياة العصرية التي نعيش مجرياتها اليوم، وهي معيار لنجاح أي إنسان يريد أن ينطلق بمشروعه الخاص، أو مديرا بالموارد البشرية يبحث عن سواعد مسؤولة وبارعة كأفراد وكمجموعات، أو نشاط تجاري متوجها نحو العالمية.
في الوضع الراهن، يعاني الاقتصاد الوطني من وجود انخفاض شديد في أعداد القيادين المتميزين والإسهامات المجتمعية من قبل أفراده وهو ما شكل عبئا كبيرا على الدولة ونفقات هائلة لإيجاد حلول تعالج ما نتج عن ذلك من تراجع في النشاط التجاري على مستوى الاقتصاد الكلي والجزئي، وبطالة متصاعدة في معدلاتها على مستوى الأفراد.
هناك حلول ممكنة التطبيق وجذرية بأيدي المسؤولين بالتربية والتعليم. من بينها صياغة الأهداف بشكل يستجيب لمتطلبات البيئة العملية والاقتصادية التي سيعيشها الأبناء بالمستقبل. بعبارة أدق، ينبغي تضمين الخطط الدراسية بأدوات تعليمية وأنشطة طلابية تركز على بناء الإنسان المنجز والمسؤول كفرد أو ضمن مجموعات، وصياغة المناهج بشكل يستوعب التطبيق العملي المستمر لتلك الأدوات. ولا يقل أهمية عن ذلك، ينبغي التخفيف من المحتوى النظري المحير والمحبط للثقة وغير المجدي خاصة بالمراحل الابتدائية، والتي تعتبر من أهم مراحل تشكل شخصية الإنسان، بالتالي، الجداول أكثر مرونة لإضافة تلك الأنشطة العملية. وأخيرا، معظم تلك المهارات تتطلب وجود نماذج حية على أرض الواقع من المعلمين والمعلمات، فالتعلم الحقيقي لا يحصل إلا من خلال القدوة، وتدريب المعلمين والمعلمات مطلب حاسم لتحقيق تلك الأهداف.