في المملكة أربعة وتسعون ألفا وثلاثمئة وأربعة جوامع ومساجد، حسب إحصائية وزارة الشؤون الإسلامية، ومعنى هذا وجود نفس العدد من الأئمة الذين تشرف عليهم الوزارة (هذا غير الدعاة الذين لا يوجد إحصاء رسمي لهم، ولا أظن جهة تستطيع إحصاءهم كلهم، ولكني أخمن أن الحاصلين على ترخيص الوزارة يصل عددهم - على الأقل - إلى مثل عدد أئمة المساجد والجوامع، أي نحو مئة ألف داعية، أما المحتسبون والمتبرعون بدون ترخيص فأظن عددهم يصل إلى عشرة أضعاف، عدا الداعيات من النساء اللواتي لا يمكن تخمين عددهن!)، ولأن الإحصائية غير مفصلة فسأفترض أن بين هذا العدد خمسون ألف جامع، وبالتالي هناك خمسون ألف خطيب، يسند كل واحد منهم دعاة (مرخصون) يقوم أحدهم بعد انتهاء صلاة الجمعة للتأكيد على ما قاله الخطيب ويضيف ما يسر الله له من وعظ - وهذا يحدث غالبا في كل جمعة - والبقية من الدعاة يتناوبون في المساجد والجوامع بعد صلاة المغرب والعشاء للوعظ، وأحيانا حتى بعد صلاة العصر، وبهذا لو أحصيت عدد الخطب الوعظية التي تصدح بها ميكروفونات معظم الجوامع والمساجد لوجدت أنها لا تقل عن اثنين وعشرين خطبة وموعظة أسبوعيا، هذا عدا المحاضرات والدروس التي يجري تنظيمها أسبوعيا للرجال والنساء، ويلقيها دعاة وداعيات في جوامع مختلفة، وتجد لها في المساجد والجوامع إعلانات عن مواعيدها وأسماء من سيلقيها.
هؤلاء الخطباء والدعاة من منسوبي الوزارة، (وليس المحتسبين والمتبرعين بجهودهم الوعظية) هم من قصدهم الدكتور توفيق السديري وكيل الوزارة في تصريحاته التي نشرتها صحيفة (الوطن) يوم الاثنين الثامن من شوال الجاري، وهو يحثهم على التفاعل مع توجيهات خادم الحرمين ودعوته للعلماء والمشايخ بهجر الكسل والصمت، وقد جاءت تصريحات السديري متضمنة صرامة وتحذيرا وتهديدا إذ قال: (الوزارة لن تعذر أحدا بعد اليوم عن القيام بدوره ومسؤولياته، وليس هناك إيضاح أكثر من إيضاح خادم الحرمين الشريفين).
هذا الوعيد والتحذير من الوزارة للخطباء والدعاة، ليس له مكان من الإعراب، لولا أن الوزارة تتوجس خيفة من عدم قيام البعض أو الكثير منهم بما تتطلع إليه الوزارة، ولولا أن لها تجارب في مخالفة التعليمات، وعدم الالتزام بما يتطلبه دور الخطيب والداعية من تفنيد كل فكر إرهابي مستند إلى الدين، وكل تطرف يفضي إلى الإرهاب بصراحة ووضوح وحجة دامغة، ولأن اليوم السبت، وأمس هو الجمعة الثانية بعد كلمة وتوجيهات الملك - حفظه الله -، فإنني لا أدري ما هي النسبة الإيجابية التي توصلت إليها الوزارة من خلال الخطباء والدعاة المنتسبين لها، والذين يتوقع أنهم ألقوا مئة ألف خطبة جمعة، وأكثر من أربعة آلاف موعظة ومحاضرة، خلال الأسبوعين الماضيين، وقبل أن نطالب الوزارة بهذه النتائج لا بد أن نتساءل: هل الوزارة تستطيع رصد هذا الكم الهائل من الخطب والمواعظ والمحاضرات والدروس؟ هل لدى الوزارة مئة ألف مراقب، يرصدون ما يقال في كل مسجد وجامع، بعد كل صلاة من صلوات العصر والمغرب والعشاء، مع خطبة الجمعة والموعظة اللاحقة لها؟ هذه لا شك مهمة شاقة بل مستحيلة التطبيق وغير معقولة أصلا.
لا شك أن منبر المسجد أهم وأخطر وسيلة إعلامية في كل العصور الإسلامية، وفي زمننا هذا بصورة خاصة، لهذا فإن حصر مهمة تقييم وتقويم رسالة منبر المسجد (خطبة ووعظا) في وزارة الشؤون الإسلامية لن يجدي، ولن يتغير الوضع، فهي وحدها لن تستطيع، فالخطباء والدعاة كلهم أبناء بيئتنا، وخريجو مدارسنا وجامعاتنا، والأمر يحتاج تنقية وتنظيف هذه البيئة وتحديد مفاصل الفكر المتطرف الذي لوثها خلال الأربعة عقود الماضية سواء مما تم استدعاؤه من تطرف تاريخي أو مما استنبته تطرف حديث، وهذه مهمة ضخمة، وشائكة، وتحتاج خطة استراتيجية، وبرامج مرحلية متلاحقة، تكرس ثوابت الإسلام، وتجتث ما علق بها من تأويلات واجتهادات فاسدة متطرفة لا يؤيدها نص ثابت صريح، ولا عقل سوي، ولا حياة آمنة بانية، ولا تجعلنا في هذه البلاد منسجمون متناغمون في حياتنا مع أكثر من مليار ونصف مليار مسلم لا نمثل إلا أقل من واحد بالمئة منهم، ولكن الله أكرمنا بشرف خدمة الحرمين الشريفين ولا بد أن يجعلنا هذا الشرف في نظر المسلمين والبشر كلهم القلب المفتوح لهم جميعا، والعقل النير لاستيعاب كل مستجد ولتكريس دعوات السلام والحب وعمارة الأرض، فلا تطرف ولا تزمت، ولا استعلاء ولا جفاء، ولا ....ولا ....ولا مكان لأي فكر منحرف أو دعوة ضالة أو نغمة طائفية تفضي إلى وصمنا بالانغلاق والإرهاب، أو تستهدف وحدتنا الوطنية، أو تصرفنا عن بناء مستقبل بلادنا المتطور، أو تشككنا في تحقق من نمو وتقدم، أو تشغلنا عن تعزيز مكانتها الفاعلة في المجتمع الدولي.
مكافحة كل ما يفضي إلى الإرهاب مهمة الدولة كلها، بكل مكوناتها وإمكانياتها، وتجربتنا مع التطرف والتساهل معه طويلة ومريرة، ونحن في داخل الوطن أكثر من يعرفها، فلنشخص الخطر النابع من بيئتنا المحلية بدقة وواقعية وصراحة مع النفس، حتى يسهل كبح جماحه، وحتى نترجم تطلع ملك (الإصلاح والحوار والإنسانية والتنمية) إلى واقع حي.