ملتقى الشعر الخليجي المعقود بناصيته الخير في مدينة الورد (الطائف)، جاء إثراء لفعالياتها المتنوعة التي تتواءم واختيارها عاصمة المصايف العربية، اختتم أعماله يوم الجمعة بمغادرة آخر الوفود، وأمامه تجدر وقفة بيضاء للشعر وللروح الخليجية المتماهية مع بيئتها وقضاياها، ومعاني المحبة والتضامن بين أبناء الوطن الخليجي الكبير.
كتابة المقالات ليس من شأنها مدح ولا تبجيل من اجتهد في تأدية واجبه، فكل لجان المهرجان من وزارة الثقافة والإعلام ونادي الطائف الأدبي والجهات الحكومية والخاصة المشاركة في إخراج الملتقى في حلة بهية، لكنهم يستحقون جميعا منا الشكر والتقدير على ما بذلوه خلال أيام المهرجان، وهذا شكرٌ لا مدح فيه، لأن هذا واجبهم الوطني، لكن ككاتب رأي لا بد أن أتوقف أمام قضيتين: الأولى دور التلفزيون السعودي في تغطية المهرجان، ولعلها ليست مصادفة أن كتبت في مقال السبت الماضي استصراخا إلى وزارة الثقافة والإعلام ألا يمر الحدث عابرا كما عبر كثير من الأحداث ربما لم يسمع بها جل أبناء الوطن ناهيك عن الخليج كله.
حزن بالغ كان يخيّم على جنبات بهو مريديان الهدا، وهي خاوية على عروشها من كاميرا تسجل انطباعات المشاركين والحاضرين واللجان العاملة في الملتقى الدولي، عدا تلك الكاميرات المثبتة لتسجيل الأمسيات التي لا أدري متى ستبث وحزن أعمق في أرواح ذويهم المنتظرين بلهفة أن يروا أبناءهم يغردون بلابل جليلة على أغصان الشعر، وهي تبث على الهواء مباشرة عبر قنوات الوزارة على الأقل، وليتهم بادروا إلى نسخ الأمسيات على وسائط الكترونية وإهدائها إلى الضيوف المشاركين في الملتقى.
وزادت القضية الثانية الحزن والأسى مرارة على كبدي، عندما يقف رجال الأمن مكرهين أمام مجموعة من أبناء وطني، جندوا أنفسهم لإثارة الفوضى وإرباك المناسبات الثقافية، صارت أفعالهم الفوضوية علامة مميزة في كل مناسبة، لتصبح هيأتهم الظاهرية أيقونة لمنعهم من الدخول، وتضاعف الألم بعد منعهم؛ أن عمدوا إلى تعبئة حدث غر، ليقف بين أبناء وطنه منكرا عليهم أمرا لا يستحق ذلك العناء، حتى اضطر رجال الأمن لاحتضانه بهدوء وإخراجه بكل رقي، لأنهم يدركون تماما أنه معبأ، شأنه شأن الآلاف من الأحداث المعبئين ضد الكثير من المظاهر الوطنية، وقد تناسى من عبأه وأعده لما أعده أن للمناصحة أبوابا جمة وللتعبير عن الرأي أنظمة متاحة، دون اللجوء إلى هذه الأساليب المتسببة في الفوضى وإرباك الفعاليات الوطنية، فبعدما وقف رجال الأمن في وجوه الفوضويين، عمدوا إلى التحايل عليهم بتحريض ذلك الحدث وتعبئته بالفوضى حتى قال ما قاله، ثم يتكرر الموقف في الليلة التالية من شخص آخر، نصيبه من الحياة أنه حُمّل رسالة كما كان آباؤنا يملؤون ساعاتهم القديمة “أبو صليب” أو المنبه الذي يرنُّ عند الوقت الذي تريده بالضبط، ولا يدري ما الأمر الذي أقته من أجله ولا يهمه أصلا.
إننا في مرحلة حساسة بل حادة الحساسية، لا تحتمل الصراعات والانقسامات ولا التأويلات، وقد مضى الملتقى في سبيل الضوء المأمول، والأهداف التي أنشئ من أجلها، لكن هل ستستمر هذه السلبيات شعارا لملتقياتنا الثقافية؟ ونظهر دائما بين بلدان العالم العربي في صورة ناقصة، في الوقت الذي نأمل أن نبلغ دور الريادة الثقافية؟ كلي أمل أن تتفاعل وزارة الثقافة والإعلام في بث فعالياتها، فحرام والله أن تهدر هذه الجهود، وتذهب دون تأثير، ومؤسف جدا أن يشب بعض أبناء الوطن عن الطوق ويربكوا كل حدث ثقافي بل يشوهون مساره وأهدافه، ولو توقفوا قليلا أمام سماحة الإسلام وتعاليمه، لأدركوا أن وطنهم يسير بخطى ثابتة لا تقبل المزايدة، وأن الشغب إن لم يفرق فلن يجمع الناس على كلمة سواء، ولنا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.