ما من شيءٍ يُمكن أن يستدلّ به على نجاحات إردوغان غير «الاقتصاد» ذلك أنّ هذا الأخير؛ هو الترياق الذي تتداوى به الشعوب فتتعافى بالتالي من أمراض مسغبتِها شِبَعاً ومن خوفها أمْنَاً، وليس لأي أحد أن يُزايد على القول بـ»نزاهة رجب وحزبه» إذ أفلحوا بشهادةٍ «صناديق الاقتراع» يومَ أن ردّوا للناس حقوقهم انتزاعاً، من بين يدي قفازٍ حديديٍّ لمستبدٍّ عسكريٍّ، كان يسوم الأتراك قبلاً سوء المعيشة. ولمّا أن اشتدت الأزمة بطول البلاد وعرضها لم يكن بّد حينذاك من خلاصٍ، يُحلحِل القبضة الحديدية من «زمّارة الأتراك» المختنقة؛ ليتنفسوا شيئاً من هواءٍ طلْقٍ كانت نسائمه تهبّ عليهم من دول الجوار الأوربي! وجاء هذا الخلاص دون صخب -ولا بهرجة- على يد حزب العدالة، وذلك أنّ الناس إذا ما حامت حول حمى «الديمقراطية» فليست تبغي صناديقها إذ ذاك غير الرهان على رغد عيش محاطٍ بسياجٍ أمنيٍّ يحفظ لها كرامتها.
بشيءٍ من تجوّز كانت تلك هي قصة ما كنتم تعرفون قبلاً من نجاحات إردوغان ولعلها ذات الفصول إذ تُعاد ثانيةً وَفق طريقةٍ كفِلت له الانتقال في هذه المرة إلى القصر الجمهوري (رئيسا)!
ولأنّنا في زمن أبرز ما فيه شهود (انكساراتنا) بحيث لم نزل بعْد أسرى فُرشنا لم نغادرها في كبيرةٍ ولا في صغيرة من أمرنا. ومن كان كذلك فليس يملك إلا «الأحلام» التي ينتهي بنا وَرْديُّها إلى الهجرة زرافاتٍ ووحدانا إن بأجسادنا أو بأرواحنا باتجاه «الأستانة» على النحو الذي نستعيد بها خلافةً تأتي هذه المرة على «نهج أتاتورك». ذلك أنّ من ظنّ بأنّ حكومة «حزب العدالة» أنموذج إسلاميٌّ فقد أبان عمّا يتمتع به من سفه معرفيّ تأصيليٍّ، وبأنّه لا يفقه دينه كما ينبغي، كما أنّه ليس هو بالذي يعرف شيئاً عن العمق التركي!
وبالجملة.. فإنّ سلب حكومة حزب العدالة التوصيف بـ»النموذج الإسلامي» لا ينفي بالمطلق الوصف لها بالتجربة الناجحة التي لم تشهد لها المنطقة برمتها مثالا على نحوٍ سابق.
غير أنّي أرى مسامير تدقّ في نعش «إردوغان/ وتجربة حزبه» يقوم بها جملةٌ كبيرةٌ من «الإسلاميين العرب» وبخاصةٍ مِن أولئك الذي ما كان لهم يد في تجربة أحدٍ إلا أفشلوها.. دعوا الأتراك وشأنهم.. كما نرجو من إردوغان أن يبقى في محيطه ولا يبرحه ابتغاء أن تطّرِد نجاحاته في أهله وناسه.