حياة تغادرنا لكنها لا تتوارى عن عيون القلب مهما نأى بها الركض في كل اتجاه عن الذاكرة فهي تعود لتفترش كل شيء فينا في لحظة «استراحة المحارب»..
ركض أشبه بالحرب التي تدافع فيها عن مواقع قدميك لتتقدم إلى مواقع أخرى. إنها حمى «الكر والفر» والسعار الذي تتقطع منه الأنفاس.
وإني لأحن إلى زمن كان فيه لنا بيت له (حوش)، فيه شاة نحتلبها.. وجدْي نلاعبه.. ودجاج نهشه.. وزرع نرشه، حتى جاءنا الاغتراب من كل ما فينا وما بين أيدينا من مستحدثات العصر.. فانعصرنا في «الشقق» طبق عن طبق!
«علبونا» في القصاع كما «التونة» ونسوا تاريخ انتهاء الصلاحية.
تزاحمنا في العلب.. ضقنا بأولادنا وضاقوا بنا وكأننا وهُم حمر مستنفرة!
....
وصحت بابنتي «يا فاطمة» فأجابتني فاطمة أخرى ما عهدت صوتها.. وقلت «يا صالح» فجاءني صوت ولدي وقد أسن واخشوشن، يقول وقد غدا أكبر مني: «لبيك».. فاستحييت أن أطلب ممن يكبرني أن يخدمني! ودعوت بناتي: يا لطيفة.. يا خيرية.. يا بدرية، فأجابتني العمارة كلها: «ما تستحي تعاكس جيرانك يا قليل الأدب؟»
وسكتّ.. أنت في بيتك لست وحدك.. الناس يشتركون معك حتى في صوت جرس التلفون و»السيفون».
....
آلة الزمن ما هي إلا خيالنا الذي يحلق بنا في عالم نحبه حيث لا يعود لعقارب الساعة ذلك الصوت الرتيب ويبقى الوقت هو المستطيل الأخضر الذي ننشر على عشبه الممتد ما يبدعه خيالنا بكل ما نحب ونأمل ونريد!
في جحيم من العلب
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
