لي صديق عزيز مشكلته أنه يجد صعوبة بالغة في قول «لا أعلم»، بل إني لا أعلم أنه قد قالها يوما ما، تسأله عن الأوضاع الاقتصادية في السلفادور فيفتيك، مع أنه في حقيقة الأمر لا يعلم أين تقع السلفادور، تسأله عن مباريات كرة القدم فيتحول إلى محلل ومدرب وحكم ولاعب سابق، تسأله عن أسعار الشعير فلا يتردد للحظة في أن يجيبك، ثم تجده بثقة يحسد عليها يتحدث في السياسة وعن تاريخ الإخوان وتاريخ أبناء العم، عن الثورة الفرنسية وعن الصراع الدائر في أوكرانيا، وعن الانتخابات في ما وراء المحيطات، وطبعا فإنه بهذه الخبرة العريضة لن يفوته أن يفتي في أسهل أمر يفتي فيه جميع الناس، وهو الدين، ومَن من المسلمين على حق ومن منهم على ضلال مبين، ومن منهم لا أمل في لحاقه بركب المؤمنين!
وأنا لا أحب الحديث مع هذا الصديق لأنه يشبهني كثيرا، فأنا ـ مثلكم جميعا ـ أجد صعوبة في قول لا أعلم، وأجد مجرد التفكير في قولها أمرا مرعبا، تماما كما تشعرون!
الشيء الوحيد الذي يمكنني فيه قول «لا أعلم» دون تحرج، هو حين أقول «لا أعلم» لماذا نصر جميعا على أننا نفهم في كل شيء ونفتي في كل شيء؟
لماذا نحرم أنفسنا لذة «دهشة المعرفة»، معرفة الشيء لأول مرة؟
كثيرون سيقرؤون هذا المقال، وسيبدؤون في الفتوى في أسباب هذه الظاهرة، لأنه من الصعب عليهم أن يقولوا «لا نعلم»!