طبيعة الدول لا تختلف كثيرا عن طبيعة البشر وأخلاقهم، فكما يوجد إنسان صالح وإنسان فاجر توجد كذلك دول صالحة ومتسامحة مع نفسها ومع الآخرين، تدعو إلى الخير والمحبة والسلام، وتحترم حقوق الإنسان وكرامته وترعى القوانين الدولية، كالدول الغربية بشكل عام، وتوجد دول غير صالحة، تتصف باللؤم والدناءة، علاقاتها متوترة دائما مع الجيران، تتحرش بها وتثير الأزمات وتقتل وتسفك الدماء ولا تقيم أي وزن للمعايير الدينية والإنسانية، تدوس على حقوق الإنسان كلما سنحت لها الفرصة، وتنتقص من كرامته وتهدرها كبعض الدول الإسلامية والعربية!
ثمة فروق جوهرية بين الدول والأنظمة من حيث الأعمال والصفات كما بين بني البشر، لا يمكن أن تصنفها كلها في خانة واحدة، فهل يمكن مقارنة دولة مثل السويد أو هولندا مثلاً بالصومال أو السودان أو العراق من الناحية الإنسانية على الأقل؟
لا يمكن مقارنة هذه بتلك في أي وجه من الوجوه، وكما يجب أن يكافأ الإنسان الصالح ويعاقب الطالح ويحجر عليه، كذلك الأمر بالنسبة للدول، الدولة الصالحة المسالمة التي تخدم السلم العالمي ولا تخرق القوانين الدولية، يجب أن تكافأ والدولة المشاكسة السيئة يجب أن يقوم سلوكها المنحرف وتعاقب ولو بالقوة الجبرية، وتوضع تحت الوصاية الدولية كما كان الحال مع ألمانيا أيام الحكم النازي، وكما كان الحال مع العراق في زمن صدام حسين، ورغم سقوط النظام البعثي ومجيء نظام جديد قائم على الدستور والديموقراطية، فإنه لم يتخلص من الصفة الشريرة المصاحبة له وهي المشاكسة والمناقرة وإثارة الأزمات والقلاقل الداخلية والخارجية، والدخول في دوامة التناحرات الطائفية والعرقية..
ولم تكن المشاكسة والمناقرة والسلوك العدواني ما ميز العراق عن غيره من الدول، بل لازمته صفة أخرى أشد سوءا وهي «الغدر»… ولم يأتِ هذا الادعاء اعتباطاً، بل استُشف من العديد من التجارب التاريخية القديمة منها والحديثة، وقد تأتي تجربة «الإمام الحسين» المريرة في المقدمة. ولا تختلف طريقة غزو الكويت كثيراً عن تلك التي تم بها قتل «الحسين» من حيث الخداع والطعن في الظهر ومقابلة الإحسان بالإساءة، وكذلك الأمر بالنسبة لـ»المالكي» لم يبق أحد من شركائه السياسيين لم يغدر به ويوجه له طعناته في الظهر، اتفق مع الأكراد في تطبيق المادة 140 الدستورية، فغدر بهم وعقد مع القائمة العراقية السنية عام 2010 في اتفاقية أربيل على أن يؤسس لها «المجلس الوطني للسياسات الاستراتيجية» ولكنه غدر بها.
فلا يمكن أن نقارن دولة بهذه الصفات المذمومة والتاريخ المليء بالغدر والجرائم، بدول صالحة لم يصدر عنها إلا كل خير!، لا يوجد مثلا وجه للمقارنة بين العراق والمملكة العربية السعودية أو الإمارات أو الأردن أو إقليم كردستان الذي ضرب أروع مثال للمجتمع المتسامح والمتطور الهادئ المستقر في منطقة مشتعلة، احتضن هذا الإقليم، مئات الآلاف من النازحين في المناطق العراقية الساخنة «الأنبار والموصل وديالى وصلاح الدين وغيرها» وآواهم وآمنهم من الخوف وشاركهم أكله وشربه، رغم موارده المحدودة واقتصاده المتدهور نتيجة الحصار الاقتصادي الجائر الذي فرضه عليه «المالكي»، بالإضافة إلى استقباله لـ350 ألف لاجئ سوري هربوا من جحيم بشار الأسد، إقليم صغير لا يتعدى سكانه ستة ملايين نسمة يعيل مليونا و600 ألف إنسان نازح من البلدين الشريرين (بحسب الإحصاءات المعتمدة) وبدون مساعدة تذكر من قبل المنظمات الدولية والحكومة المركزية في بغداد!
الفرق كبير بين دولة تقتل وتهجر وتطارد وإقليم يؤوي ويستقبل وينقذ الأرواح، بين من يدعو إلى المحبة والسلام والاستقرار في العالم ومن يريد أن ينتهك السلام الدولي ويدعو إلى الكره والأحقاد.. والمجتمع الدولي يدرك تماما هذا الفرق ويستطيع أن يميز الخبيث من الطيب، فكان منصفا وعادلا لأول مرة مع الأكراد، عندما هب لمساعدة إقليم كردستان في حربه ضد تنظيم «داعش»، في حين أنه أحجم عن مساعدة عراق «المالكي» رغم استنجاده به.
معظم الدول الغربية أبدت استعدادها لنجدة الإقليم عندما اقترب خطر الإرهاب منه، وساعدته بكل الوسائل العسكرية وغير العسكرية، فرنسا أرسلت وزير خارجيتها إلى أربيل العاصمة واعتبرت حرب الإقليم حربها وأكدت ألمانيا دعمها لشعب كردستان في حربه المفروضة عليه وكذلك إيطاليا وبريطانيا وأمريكا، كل هذه الدول وغيرها أبدت استعدادها للوقوف مع الإقليم والأكراد الذين وصفهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنهم (متسامحون مع الطوائف الأخرى والديانات الأخرى بطريقة نود أن نراها في الأماكن الأخرى، لذلك نحن نعتقد أنه من الأهمية بمكان التأكد من حماية تلك المساحة).