الراحل من الفانية إلى الباقية، غازي القصيبي، رحمة الله عليك.. رمزا إلى خطابك المشفر بالإشارات التي لا يذاع لكامل تفاصيلها سر، المحرر عام 1996 في عاصمة بلاد الإنجليز لندن معشوقة الضباب، والموجه لنا عبر ناقل بريد عاصمة البلاد العظمى، حلم الصعاليك وقبلة التجار، إلى مضارب الأميرة الجميلة الراحلة ومقر مشيختها وعنفوانها “ويلز”.. أقول، الخطاب المعطر برائحة الوطن الفريدة، الممهور بمكانتك الرفيعة وهيبتك الدبلوماسية المعززة بمقامك الفكري وفوقها حسن طويتك.
أخي المغفور له بإذن الله، يطيب لي وقد طوى الزمن في بطنه ما طوى، أن أفتح بين يدي الأيام التي ينكز بعضها بعضا لإثارة مخزون الذاكرة المتعبة بحمولتها بعض ملامح خطابك الموقر المشحون بأرق الكلمات لطفا وأصدق المشاعر أخوة.. وهو الخالي من التعالي الممقوت الذي لا يكتب له نصر أمام طهارة إيمانك وعزة نفسك.
اتفقنا ـ أسكنك الله فسيح جناته ـ على ضرورة الاستسلام والقبول لما اختاره الله، وانتهيت على وقع كلماتك التي تنازلت بها أنت لرفع معنوياتي وفيها للعاتبين شفاء. رأيت وقتها أن لشخصي المتواضع محل تقدير لديك، وأن طموحي المشاغب محل افتخارك حتى وإن عصفت بي الظروف ووضعتني في المرحلة الزمنية الخطأ ليستحيل عليك وقد “شُدت الأحزمة” آنذاك تطبيب كل الجراح..الله كم جرح عميق داويته أنت، وكم جرح سعيت أنت في تعافيه بأمر الله، إيه الرجل النبيل حيا وميتا!
ليتك تتكرر وتتكاثر عشيرة وقبيلة، بل وأمة دمها دمك، ونبلها نبلك، ووفاؤها وفاؤك، وإخلاصها إخلاصك، ورجولتها رجولتك، وشهامتها شهامتك، وفكرها فكرك..أمة تعرف الدين والحق والعدالة والصدق مثلك، أمة تحب الوطن والقيادة مثلك، أمة تحب الناس وتحترم الأديان والأجناس مثلك، أمة تقرأ وتقرأ وتَفهَم مثلك، وأيضا تتحدث مثلك وتتصدق في سبيل الله سرا مثلك..أمة تتحرك في كل صوب وكأنها وطن مثلك..أنزلك الله منزلة العليين.
سيدي الغائب في ذمة الله، تكوّن لدي قناعة لا مجال لاستعراضها بنيتها على معالم اللحظات الأخيرة قبل مغادرة مجلسكم العامر بالوطنية والدبلوماسية والفكر ذات ليلة ملؤها هموم شخصية تحبس الأنفاس.. المجلس الممتلئ بصورة الوطن العظيم، المعطر برائحته الفريدة رغم ما بين المكان والمكان من مسافات أحسبها بعيدة إلا أن وجودك آنذاك اختصر كل المسافات.
سيدي، غادرت أنت الحياة الدنيا بأمر ربي وربك، رب العالمين، إلى الرفيق الأعلى بمشيئة الله وبقيت سمعتك الطيبة مع سيرتك المشرفة تعانق أفعالك الأطيب المسطرة في سجل التاريخ إخلاصا للدين وولاء للقيادة ووفاء للوطن..الوطن الذي تفانيت أنت في خدمته وصافحته على الدوام بمواقف شجاعة تتجلى في أدناها أعلى درجات المروءة والشيم، وليتنا مثل فعلك نفعل ما استطعنا ولو أن اللحاق بهمتك ومجاراة أفعالك لا يتيسران إلا لمحظوظ فاله حسن.
لن أنسى قسوة الأيام أبدا أبدا، والأكيد، أنني لن أنسى موقفك..تقبلك الله بواسع رحمته ورضوانه يا غازي القصيبي.
إلى القصيبي الإنسان
مانع اليامي3 دقائق للقراءة

حجم الخط
