قاعدة “العقل المشترك” التي يكررها دائما رئيس الوزراء التركي والرئيس الجديد المنتخب رجب طيب إردوغان، خلال التعامل مع قرارات مهمة ينوي حزبه العدالة والتنمية طرحها، وهي القاعدة التي اعتمدها خلال تحديد اسم المرشح الأنسب لانتخابات رئاسة الجمهورية، تتحرك هذه المرة باتجاه محاولة اختيار القيادي الحزبي الذي سيتولى إدارة الحزب والحكومة بعد انتقاله إلى قصر الرئاسة نهاية الشهر الحالي.
أزمة متوقعة
مصادر العدالة والتنمية تقول إن إردوغان يواصل استشاراته الحزبية على مستوى القيادات والكوادر والمندوبين باتجاه تحديد الاسم الذي سيخلفه، لكنها مسألة لن تكون سهلة بعد أن أعلن الرئيس التركي الحالي عبدالله غول أنه يريد العودة إلى حزبه ومواصلة العمل السياسي هناك.
قرار غول عن رغبته وحقه في العودة لحزبه بعد انتهاء فترة ولايته القانونية في منصب الرئاسة، سيقود حتما إلى نقاشات جديدة حول الصلاحيات والمواقع والإدارة في الحزب للمرحلة المقبلة، لكن الأزمة الحقيقية ستكون وكما يقول المراقبون الأتراك في أحسن الأحوال هي أزمة المواجهة بين إردوغان وغول التي لن تنحصر حول الأسماء ومراكز القرار بالحزب في المرحلة المقبلة فقط، بل إلى خلافات بين رؤيتين في الحزب، الأولى تقليدية يمثلها إردوغان والأخرى تجديدية يقودها غول ما يعني بروز احتمال تطور التباعد في وجهات النظر بين الرجلين إلى خصومة حزبية قد تنعكس على مسار ومستقبل العدالة والتنمية الذاهب إلى انتخابات برلمانية عامة في يونيو المقبل.
قطع طريق
ترجمة أخرى للأزمة برزت عندما أعلن الناطق الرسمي باسم حزب العدالة والتنمية حسين شليك أنّ حزب العدالة والتنمية قرّر عقد مؤتمره العام الطارئ في 27 أغسطس المقبل بمشاركة إردوغان لانتخاب رئيسه الجديد بعد فوز الأخير بمنصب رئاسة الجمهورية.
لكن التوتر يبقى ليس في حديث شليك حول أن رئيس الحزب ورئيس الوزراء الجديد سيكون شخصا واحدا، بل إعلان قرار المؤتمر قبل يوم واحد من انتهاء ولاية غول في محاولة لقطع الطريق عليه كيلا يترشح لمنصب رئيس الحزب.
صراع قاعدي
فاروق أجار، مدير شركة استطلاعات الرأي التركية “أندي - أر” الذي نجحت شركته في الاقتراب أكثر من غيرها في معرفة نتائج الانتخابات الرئاسية التركية، يقول إن قواعد وأنصار حزب العدالة والتنمية تريد في غالبيتها أن ترى الرئيس التركي الحالي غول في منصب رئاسة الحزب ورئاسة الوزراء خلفا لإردوغان الذي سينتقل إلى قصر الرئاسة في شنقايا.
وأضاف أجار أن استطلاعات الرأي في صفوف العدالة والتنمية كشفت النقاب عن أن 67% من أصوات أعضاء الحزب تريد غول مكان إردوغان، فيما اختارت 7% نائب إردوغان، بولنت أرينش، بينما حصل وزير الخارجية أحمد داوود أوغلو الذي يظهره البعض كأبرز المرشحين، على نسبة 1 % فقط من الأصوات.
وأشار أجار إلى أن إردوغان لو كان حصل على نسبة أكبر تتجاوز 55% من الأصوات في الانتخابات لكان بمقدوره أن يحدد الاسم الذي يختاره، لكن الرقم الحالي (51.79 %) يتركه أمام ضرورة الإصغاء إلى ما تقوله القيادات والكوادر الحزبية لتجنب الشرذمة والانقسامات في في صفوف الحزب.
تأسيس حزب
لكن سيناريو آخر بدأ يبرز للعلن وسط هذه الأزمة في صفوف العدالة والتنمية التي يصفها البعض بأنها مصطنعة ولن تدوم كثيرا، حيث رأى المحلل السياسي التركي لوانت غول تكين أن الرئيس غول قد يتحرك باتجاه تأسيس حزب سياسي إسلامي جديد في حال لم تعط له فرصة العودة لقيادة العدالة مكان إردوغان بعد انتقاله إلى قصر الرئاسة.
وأضاف تكين أن غول يعرف أن هناك أصواتا مقربة من إردوغان لا تريد أن تراه في موقع القيادة في الحزب، وانتقدته أكثر من مرة، لذلك قد يتحرك باتجاه إطلاق حركة تجديدية باسم الإسلاميين في تركيا تجمع الذين سيتخلون عن الحزب في الأشهر القليلة المقبلة، والعديد من الأحزاب الإسلامية الأخرى تحت سقف واحد وأن إعلانه عن عودته للحزب لا تعني بالضرورة العودة إليه بل العودة إلى فكرة الحزب وأيديولوجياته.
وتابع بقوله إن المشكلة بعد الآن هي أبعد من أن تكون مشكلة مرحلة ما بعد إردوغان في الحزب، بل مشكلة استمرار أفكار ورؤية إردوغان أم التخلي عنها في مواجهة بين المجددين والتقليديين، وهذا ما يريد أن يعرفه غول في الأيام المقبلة ليتأكد من حجم قوته في الحزب ليعطي على أساسها قراره النهائي.
تفكك العدالة
ما توقعه أحد أبرز مؤسسي حزب العدالة والتنمية وأقرب أعوان إردوغان السابقين، دنجير مير فرات بأن حزب العدالة والتنمية سيتفكك خلال الأشهر المقبلة لأن المعادلات الحزبية ستتغير بعد انفصال إردوغان عن الحزب، ولأن أكثر من قيادي حزبي سيدخل في لعبة المنافسة الحزبية يستحق التوقف عنده أيضا.
ففرات الذي استقال الشهر الماضي من الحزب وأعلن عن دعمه لمرشح الشعب الديموقراطي صلاح الدين دميرطاش في الانتخابات الرئاسية، قال إن عدم تريث الحزب لإنهاء غول فترة حكمه والدعوة لاختيار رئيس جديد للعدالة والتنمية قبل يوم واحد من قضاء غول لحكمه، رسالة سياسية وحزبية مباشرة له تقطع عليه الطريق في موقع القيادة.
وتابع “نظام الحزب الجديد الذي يمنع أكثر من 70 نائبا من الترشح مجددا للانتخابات باسم العدالة والتنمية ستدفع هؤلاء للبحث عن خيارات جديدة بينها تشكيل حركة سياسية أخرى يواصلون من خلالها عملهم السياسي”.
استبعاد رفيق الدرب
ورغم أن إردوغان رحب بعودة غول إلى صفوف الحزب، وبأن هذا حقه الطبيعي، إلا أنه طالب الرأي العام بالانتظار بعض الوقت لحسم اسم الشخصية التي ستخلفه.
لكن التسريبات تتلاحق من كواليس الحزب حول الاسم المحتمل، إذ برز أوغلو كمرشح أقوى لخلافة إردوغان على ضوء الاستفتاءات التي جرت حتى الآن، مما سيترك إردوغان بين خيارين؛ ما تقوله القواعد الشعبية، وما تقوله القيادات والكوادر الحزبية.
فقد ذكرت الأنباء أن إردوغان دعا قيادات حزبه لاختيار اسم ليرأس الحزب والحكومة، ووضع ورقة الاختيار في ظرف مغلق.
ويرفض إردوغان نفسه فكرة الرأسين في الحزب والفصل بين رئيس الحزب ورئاسة الحكومة، وهي رسالة مباشرة لغول بأنه لا حظوظ له للجلوس في مقعد قيادة الحزب لأنه ليس بمقدوره دستوريا أن يكون رئيسا للحكومة كونه ليس نائبا في البرلمان.
أصوات مقربة لغول وتدافع عن حقه في العودة والقيادة مثل بولنت ارينش واحد من أهم قيادات الحزب تطالب بعدم إطالة حالة الجفاء والغبن بين القيادات إذا كانت موجودة، حتى لا تنعكس أكثر على أجواء الحزب ومساره وعمله.
آخر الأنباء تقول إن حزب العدالة والتنمية وجه دعوة رسمية لغول لحضور المؤتمر الطارئ للحزب كرئيس للجمهورية لكن متابعين لمسار التطورات لا يستبعدون أن يقدم غول استقالته من رئاسة الجمهورية في الأيام المقبلة ليتسنى له الترشح لمنصب رئاسة الحزب ويفاجىء كثيرين بخطوة من هذا النوع.

