إذا استبعدنا من القاعدة (شواذها)، فهم بالتأكيد قاعدة أحوال المجتمع وصفوته والأمناء عليه، وهم المثقفون الذين نذروا أقلامهم لإنتاج المعرفة بتجلياتها المتنوعة، أو للكشف المضني المؤرق عن مكامن الخلل في المكون الجمعي ذاته، أو في ما يرتبط به من مؤسسات اجتماعية واقتصادية وتعليمية وصحية ومدنية، وليس هم – بالطبع - المثقفين الذين ارتهنوا للحظة أكاديمية مترفة فحسب، أو للبحث عن الشكليات الباذخة للمكوث في الأبراج الثقافية المعرفية العاجية، التي حجبت ستائرها المطرزة بالشهادات العليا أعينهم عن المساكن والشوارع القابعة بالجوار.. الغارقة في تشظيها وأزماتها وحاجاتها الملحة.. إنهم قطعا بمنأى عن تلك النماذج المثقفة المتعالية الجامدة، التي تستفيد ولا تفيد، وتكسب ولا تستثمر مكاسبها في خدمة أبناء المجتمع، الذي يشتركون معهم في العيش والمصير داخل وطن واحد. وهم - كذلك - المستشارون للعالمين في كل شأن وعلم، بمجانية نبلهم وعطاءاتهم.
إنهم – بلا شك - كتاب (الرأي) في صحافتنا، الذين تهطل علينا أسماؤهم البهية كل صباح، من غيمة (أعمدتهم) المفعمة بالخير والبركات.
ولكن السؤال الذي ينزل على جماجمنا، فيكاد يصعقها، يتضمن في الحقيقة عدة أسئلة معا: هل نال هؤلاء ما يستحقون من تقدير مادي ومعنوي على السواء؟ وهل استثمرت مؤسساتنا هذه العقول، التي أعلنت عن ثقتها بنفسها في مقاربة ثقافة الواقع وتحدياته؟ وما مدى تفاعل مسؤولي الثقافة والإعلام مع جهودهم المستمرة يوما بعد يوم وأسبوعا بعد أسبوع؟ وإلى أية جهة ينتمون (بشكل رسمي) داخل المؤسسات الثقافية والإعلامية؟ وهل لهؤلاء الأفذاذ رابطة محددة من أي نوع تجمع شتاتهم، وتصرح بهمومهم، وتحتفي بتأثيراتهم الجليلة؟!
أما الإجابة على تلك الأسئلة (المفاجئة)، فتظهر في لباس من الخجل والعدم، فهؤلاء – إجمالا - لم يحصلوا على ما يستحقون من تقدير (مادي أو معنوي)، فقد يحصل بعضهم على (٢٥٠ ريالا) فقط للمقال الذي ينوء بتعبه وهمه ووعيه الخلاق، وربما استمر يكتب لصحيفة لم يدعه رئيس تحريرها مرة على الإطلاق لصحيفته أو لمكتبه أو للقاء تعريفي بأهداف الصحيفة وشؤونها ومدى مقاربتها لسبل النجاح، ولم يقل له عند انقضاء الأمر: «شكرا»، عندما يقرر الكاتب التوقف، أو الانتقال إلى فضاء آخر لإنتاج الأفكار و(الآراء)، كما أن هؤلاء الرائعين ينظر إليهم كعملات (فاقدة القيمة)، لا تقبل (الصرف) و(الاستثمار الخالص) من قبل المؤسسات الحكومية، التي يتجه إليها خطاب الرأي. إذ (يكل) الكتاب و(يملون) ويصيب بعضهم الإحباط من (التطنيش الأبدي) لاستفساراتهم وانتقاداتهم الموضوعية لأداء عمل مؤسسات الدولة. (شخصيا: كتبت على مدى ثماني سنوات مقالات (دافئة)، تزعم أنها تقارب مكامن الخلل الجلي في مخرجات التعليم وعمل قطاع (المرور)!!، ولكن لم يصلني أي تعليق أو توضيح أو وعد أو طيف من بعيد، يؤكد أن ثمة مخلصين، يحرصون على رؤية مستوى كفاءة أداء مؤسساتهم في عيون الآخرين، الذين يمثلهم كتاب الرأي ). ومن جهة أخرى، فإن هؤلاء قد اقتنعوا بأنهم لا ينتمون إلا لأنفسهم فقط، فليس ثمة ما يوثق انتماءهم (من الجهة الرسمية والقانونية) لعالم الصحيفة أو المجلة التي يكتبون فيها باستمرار، فمن يضمن لكاتب ما حقوقه الضائعة إذا (تلخبطت) الحسابات، وتخالفت (الآراء)، ثم هل توفر لهؤلاء الرواد مكاتب (شكلية على الأقل) داخل المؤسسات الصحفية؟ وبالمقابل فإن وزارة الثقافة والإعلام لا تكاد تتذكر هؤلاء النخب، عندما تكتب دعواتها الأثيرة - عند إقامة الملتقيات والفعاليات الثقافية - في كل مرة لأعضاء النوادي الأدبية وجمعيات الثقافة وأساتذة الجامعات. أما تلك (الجمعية) التي استحدثت أخيرا لمحاولة (لم الشتات)، فإنها لم تنهض حتى الآن بأقل أهدافها المنتظرة، فمعظم كتاب الرأي لا يعرفون عن أمر (جمعيتهم) شيئا، إذ لم يقرؤوا بيانات عضويتهم في الجمعية، ولم يدعهم أحد للقاء تعريفي، يعرفون من خلاله ممثلي الجمعية ومنهج عملها ومكان إقامتها، والسبل التي يعرفون بها: كيف (تتبنى) هذه الجمعية حقوقهم ومشكلاتهم وحاجاتهم وبقية من أحلامهم..! هذه (الجمعية) هي أول من يتجه إليه خطاب هذا (النثار)، لأنهم (هم) الذين (ضربوا) على صدورهم، زاعمين أنهم (سيضربون) لنا موعدا لاسترجاع (الحقوق) المهملة، وفاء (للواجبات) الجليلة، التي ترامت بنبل وشجاعة على أوراق الكتابة!