خلال 15 سنة الماضية، تشهد مكة تطويرا لم تشهده من قبل، وهذا التطوير يشتمل على جوانب مختلفة، كتطوير بيت الله الحرام ومرافقه، وتطوير المشاعر المقدسة كمنى وعرفات ومزدلفة، وتطوير المنطقة المركزية، وإنشاء طرق دائرية جديدة، ومشاريع القطارات والمترو، والمشاريع الاستثمارية التي تستهدف حجاج بيت الله الحرام
وتطوير المدن القديمة أمر مرهق للغاية، فمدينة ذات تاريخ قديم بدأ تحولها لمنطقة سكنية مع نبي الله إسماعيل ابن خليل الله إبراهيم وتوافد عليها الجراهمة والخزاعيون ونشأت فيها قريش، وانطلقت منها الدعوة الإسلامية سرا وجهرا، فمدينة بهذه العراقة وهذا القدم يكون التطوير فيها أمرا صعبا وبحاجة لمزيد من التخطيط
يعاني أهل مكة من غموض هذه المشاريع التي لا يعلمون ملامحها، فتأتي على أحيائهم وتخرجهم من بيوتهم بمبالغ تعويضية تختلف من جهة لأخرى اختلافا كبيرا، وبما أنها أتت مفاجأة، قبل أن يتمكن سكان المنازل المزالة من البحث عن بديل، فينتقلون إلى الشقق المستأجرة، مما يزيد من ارتفاع أسعارها، وهذا التطوير رفع أسعار الأراضي والمنازل في مكة حتى كادت تلامس السحاب، فغالبا من يحصل على مبالغ تعويضية لا يستطيع اقتناء منزل جديد، ثم إن هذه المشاريع لا ترحم منطقة أثرية أو تاريخية، ولا تعطي مكانة للجبال، ولا يرى فيها أهل مكة مكانا لهم يسكنون فيه ويمارسون حياتهم، فهم في حركة تنقل مستمرة بين مطرقة التطوير وسندان ارتفاع الإيجارات
وهذه التغييرات لها أثر كبير في طبيعة مكة الاجتماعية، فهي تبعدهم عن المسجد الحرام وقد تضطرهم إلى السكن خارج حدود حرم مكة، وتمنع أصحاب المهن المرتبطة بالمسجد الحرام من ممارستها أو تضيف لمهامهم مزيدا من المشقة، كمهام السقاية والرفادة والسدانة، وتزيد من صعوبة مخالطة الحجاج لأهل مكة ليتعلموا مزيدا من دينهم ويصححوا الأخطاء التي لديهم، ويروا عادات أهل مكة وطباعهم التي تزيد من لحمة العالم الإسلامي واتصاله بعضه ببعض، وبما أن نسبة مهمة من هذه الاستثمارات لأشخاص لا يسكنون مكة، فهي تنقل الإيرادات لخارج مكة، مما يضعف من حالة مكة الاقتصادية، ويزيد من فجوة سكانها ومستوى المعيشة فيها
نحن أهل مكة بحاجة إلى مشاريع سكنية ناجحة إنشاء وتوزيعا، فما زالت في مشروع إسكان الملك فهد بيوت غير مسكونة لأسباب عديدة، كاحتكارها من قبل مجموعة من التجار، أو تنتظر التشطيبات النهائية وغيرها
لماذا لا تشمل هذه المشاريع التطويرية مجالا لسكن أهل مكة تكون مناسبة لاحتياجاتهم وتراعي طبائعهم الاجتماعية والجغرافية وتمنح لهم مباشرة ولو بمبلغ رمزي بسيط أو كتعويض لهم على منازلهم، وبحاجة لمزيد من الدعم للسدنة والزمازمة والمطوفين حتى يؤدوا أعمالهم بكفاءة أكبر ترضي الله عز وجل، وتعكس رغبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله
أحد كبار المكاتب الاستشارية الهندسية أخبرني بأنه خلال العشر سنوات المقبلة ستتم إزالة كل ما في محيط 7 كلم حول المسجد الحرام لمشاريع تطويرية مختلفة من أهمها إعادة تخطيط طرق مكة بطريقة إشعاعية تسهل من دخول المسجد الحرام والخروج منه، وهذه المشاريع التي ينتظرها أهل مكة بشغف سيخافون من ويلاتها عليهم، وبحاجة لمشاريع أخرى تحدث التوازن في مكة وتزيد من استقرار سكانها بالطريقة التي تناسبهم وترضيهم ليعملوا من أجل مكة بشكل أفضل