«أسفلُ حذاءِ إردوغان أحسنُ منك» هذه عبارة قالها د. محمد الحضيف في جداله مع أحد المخالفين له من السعوديين، وقالت د. نورة السعد معلقةً على تغريدةٍ في صفحة إردوغان العربية في تويتر: «ليت لدينا عشرةَ رؤساء مسلمين مثلك»، وفي دار الأوبرا في مصر هتف «الإخوان المسلمون» لإردوغان وهو يلقي كلمته: «إردوغان يا زعيم وَحِّدْ صف المسلمين»، هذه نماذج تعبر عن الهوسِ بإردوغان، وتحوُّلِه إلى (أسطورة) في أوساط الإسلاميين العرب، فما سببُ هذا الهوسِ، وهذه الأسطرة؟
لعل السبب أن رجب إردوغان سياسيٌ تركي ناجح أثبت خلال مسيرته السياسية حتى الآن مقدرة فذة في السير بتركيا من نجاح إلى آخر، فمن أعظم إنجازات إردوغان إبعاده الجيش من التدخل في السياسة، وفي مجال الاقتصاد استطاع أن يصعد بالاقتصاد التركي إلى المرتبة السابعة عشرة عالميًّا، وارتفع الدخل القومي من 220 مليارا إلى 650 ملياراً، وكانت ديون تركيا لصندوق النقد الدولي قبل إردوغان 23 مليارا، فنجح في خفضها لما يقارب الصفر، وأنزل معدل التضخم من %30، إلى %9، ورفع الصادرات من 36 مليار دولار إلى 113 مليار دولار، وارتفعت الرواتب ضعفين، وتم بناء أكثر من 150 ألف قاعة دراسية، وإنشاء 30000 قاعة خاصة بتكنولوجيا المعلومات، وخمسين جامعة حكومية جديدة، و80 منطقة صناعية.
هذه الإنجازات المبهرة رفعت جماهيريته لدى الشعب التركي، وضمنت لحزبه الفوز بالانتخابات النيابية، وفوزه شخصيًّا في الانتخابات الرئاسية، وأهَّلته ليكون من عظماء التاريخ التركي الذين يفخَرُ بهم الأتراك، لكن هذا كله أمرٌ يخص الأتراك، ولا يكفي لتحوُّلِهِ إلى (بطلٍ)، و(أسطورة) لدى الإسلاميين العرب، فمهاتير محمد قاد ماليزيا إلى الازدهار والنهضة، ولم تكن له مكانة إردوغان لديهم.
إذن لعل السببَ وقوفُهُ مع ثورات الربيع العربي، لكن المراقب يرى أن موقفه لم يخرج عن الواقعية السياسية التي يمارسها أيُّ نظامٍ لخدمةِ مصالحه، فوقُوفُهُ معها نابعٌ من المصلحة القومية لتركيا، ولهذا حينما اقتضت مصلحة تركيا خلاف هذا كان له موقفٌ معارض للثورة في ليبيا قبل اشتداد عودِها؛ فأعلن معارضته للحظر الجوي وتسليح الثوار؛ إذ وصفت تركيا الدعوة إلى حظر جوي بأنها «غير مفيدة، وتنطوي على مخاطر»، وقال إردوغان إنّ «التدخّل العسكري من قبل حلف شمال الأطلسي في ليبيا أو أية دولة أخرى ستنجم عنه آثارٌ عكسيةٌ تماماً»، وهذا يناقضُ مشاركةَ تركيا نفسِهَا في مهمات التدخل العسكري لحلف الناتو في البوسنة والهرسك، وكوسوفو، وأفغانستان، وإنما كان موقفها من ثورة ليبيا ينسجم مع مصالحها الاقتصادية؛ إذ وصل مستوى التّبادل التجاري بين تركيا ونظام القذافي عام 2010 إلى 9,8 مليارات دولار، وأعلنت ليبيا أنها ستقدّم استثمارات بقيمة 100 مليار دولار للشّركات التركية حتى عام 2013، ومنحت الشركات التركية استثمارات في قطاع التشييد قيمتها إلى 15 مليار دولار، ومنذ عام 2010 دخل حيز التنفيذ 160 مشروعًا استثماريًّا في ليبيا تنفذه 200 شركة تركية.
إذن لعل السببَ هو وقُوفُه مع الشعب الفلسطيني، لكن مواقفَه لا تتعدى التصريحاتِ القويةَ في شجب ِممارسات إسرائيل، وهي مع أهميتها المعنوية لا تصل إلى التصنيف البطولي، خاصة أن تركيا ما زالت تربطها علاقة دبلوماسية وطيدة مع إسرائيل، وحسبما ذكر الكاتب في صحيفة (زمان) التركية علي بولاج فقد صرَّح حسين تشليك المتحدث باسم الحكومة التركية لصحيفة مليت، بتاريخ 13 يونيو 2010م أن إردوغان «يمتص غضبَ الشعب من خلال خطاباته المعادية لإسرائيل، ولو لم يُـصدرْ إردوغان هذه التصريحات لازدادتْ معاداةُ إسرائيل في تركيا كثيرًا»، وحينما سأله الصحفي: وهل هذا يؤدي إلى امتصاصِ غضبِ الشعب؟، أجاب تشليك: «بالطبع، فالشعبُ يفكر بهذه الطريقة، حيث يقول: إن الحكومةَ تُبدِي ردَّ الفعلِ الذي كان يجب علينا أن نصدرَه».
وذكر بولاج أن الحكومة التركية تمارس سياسة المعايير المزدوجة في التعامل مع إسرائيل بين التصريحات القوية ضد إسرائيل وتمتين العلاقة في الواقع العملي، كاشفًا عن قيام تركيا بإلغاء الحظر الذي كان مفروضًا على عضوية إسرائيل في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) لسنوات طويلة، وكانت الحكومة الفلسطينية قد كتبت خطابًا لإردوغان من أجل أن يستخدم حق النقض (الفيتو) على هذا الإجراء، لكنه لم يلقِ بالًا لذلك.
ومحصَّلُ القول أن تركيا تتعامل بواقعيةٍ سياسيةٍ في علاقَتِها بإسرائيل وفقًا للمصالح القومية لتركيا، لكنها تُحسنُ التعبيرَ عن معارضتِهَا لما تقومُ به إسرائيل من اعتداءات على الفلسطينيين، ومع هذا فإن هذه المعارضة لم تنفردْ بها تركيا؛ إذ تشاركُها فيها كلُّ الدول الإسلامية من إندونيسيا شرقًا إلى موريتانيا غربًا.
إذن ما سبب هذا الهوس وهذه الأسطرة؟ إذا تجاوزنا مشاعر الجماهير -وهي تصدر عن عقل جمعي يؤثر فيه الخطاب العاطفي الرنَّان، وغير معني بالتحليل العقلاني- فإننا لا نجدُ سببًا عقلانيا لهوس النخبة من الإسلاميين العرب السنة بإردوغان إلا أن تلك النخبة تبحث عن (بطل) و(أنموذج) و(رمز) يجسد حلمها في الواقع في ظل عُقم الواقع العربي وبؤسِهِ، يضاف إلى هذا قيام تركيا بتهيئة الملجأ للحركيين الإسلاميين؛ لاستعمالهم ورقة ضغط لتقوية دورها الإقليمي، وليكونوا صوتها المروج لسياساتها في الإعلام العربي، وختامًا نقول: لم نرد بهذا المقال إنكار الإعجاب بإردوغان، بل ما أردناه هو البحث عن سبب تجاوز الإعجاب إلى مرحلة (الهوس) (الأسطرة).
الإسلاميون العرب وإردوغان.. البحث عن بطل
سليمان الضحيان4 دقائق للقراءة

حجم الخط
