دفعت المستجدات الأخيرة على الساحة الدولية لا سيما موقف أمريكا من روسيا والأزمة الأوكرانية ومستقبل الشرق الأوسط: العراق وسوريا، بالباحث الأمريكي الشهير توم انجلهارد، مؤسس ومدير مركز أبحاث معهد “نايشن” The Nation، إلى استعادة مضمون كتابه “ولايات الخوف المتحدة” الذي ألف قبل 3 سنوات، فكتب مقالا عنونه “خوف الولايات المتحدة” ونشره موقع – Informatiom Cleaning House في 4 أغسطس الحالي.
كل طالب في الولايات المتحدة يعلم، منذ التحاقه بالمدرسة الثانوية، أن هناك ثلاثة فروع (أو سلطات) للحكم المتوازن في أمريكا: السلطة التنفيذية، والكونجرس، والقضاء.
هذا هو أساس الحكم الديموقراطي في أمريكا وأبسط مواد “التربية المدنية” في مناهج التعليم ..المشكلة الوحيدة في هذه المادة الدراسية المهمة هي أن السياسة في أمريكا ليست كذلك، في الحقيقة!خلال سنوات الحرب الباردة وحتى السنوات الـ 14 من بداية القرن 21، تطور الحكم في الولايات المتحدة بظهور الفرع الرابع: دولة الأمن القومي، وأهم ما يميز هذا الفرع الجديد عن بقية الفروع الثلاثة الأخرى الرغبة الجامحة في توسيع سلطاته.
ومع ذلك، وباعتراف الجميع، فإن هذا الفرع الرابع لا يزال يفتقر إلى صلاحيات رسمية معينة من السلطة التنفيذية (الحكومة).
والفرع الرابع هو مركز الثقل والقوة اليوم في السياسة الأمريكية أكثر من أي وقت مضى، ناهيك عن أنه الفرع الوحيد الذي لا يخضع للمساءلة، ومن ثم فإن أي حديث عن توازن سلطات الحكم في واشنطن، هو مجرد لغو أجوف وفارغ!
الشحن النفسي
لقد بدأ ظهور (وصعود) الفرع الرابع في لحظة من لحظات التهيئة النفسية واستنفار المواطنين للصراع العالمي، مع الحرب العالمية الثانية، واكتسب ثقلا كبيرا أثناء الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين، وأصبح سلطة تستمد مشروعيتها في البقاء مع وجود قوة عظمى أخرى، هي الاتحاد السوفياتي، ومن ثم أصبح له كل الصلاحيات في التوسع والتغلغل في كل شيء تقريبا.
في السنوات التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي السابق ونهاية الحرب الباردة (1989) كان هذا الفرع الرابع في مرحلة انتظار وترقب لا سيما أن المشهد بدا وكأنه نقص في المعروض أو قل نقص في الأعداء.
وحسب نظرية العرض والطلب أثير السؤال الآتي: ما الدور الذي يمكن أن يقوم به بعد أن تهاوى السبب الذي أدى إلى ظهور هذا الفرع الرهيب؟
الحرب على الإرهاب
لم يأخذ الأمر طويلا من الوقت حيث حسم التردد سريعا بعد أن أطل الإرهاب برأسه ودخلنا “عصر ما بعد 11 سبتمبر” أو بالأحرى عصر: الحرب على الإرهاب وهي الحرب التي غذتها تريليونات الدولارات من أموال دافعي الضرائب في أمريكا، وتحت راية أمن المواطنين الأمريكيين وحمايتهم من خطر الإرهاب، نما هذا الفرع الرابع في السلطة والقدرة إلى درجة غير مسبوقة، وحقق طفرة في البناء في العاصمة واشنطن وحولها وأماكن أخرى من البلاد.
ورصدت صحيفة “واشنطن بوست” في 2010 تحت عنوان “سر أمريكا الكبير!”، 33 مبنى ضخما بعضها لا يزال تحت الإنشاء، مخصصا للاستخبارات السرية الأمريكية تم إنشاؤها منذ 2001 وهي تعادل ثلاثة أضعاف مبنى الكونجرس (الكابيتول) وتحتل مساحة 17 مليون قدم مربعة تقريبا، ولا يزال التوسع مستمرا إلى اليوم.
نصيحة إيزنهاور
الفرع الرابع هو نسخة مصغرة من “المجمع العسكري الصناعي” الأمريكي: وزارة دفاع ووزارة الأمن الداخلي وجماعات ضغط وعلاقات قوى، وهو ما سبق وحذر منه الرئيس إيزنهاور الأمريكيين في خطابه الشهير 1961، لكن ما حدث بعد 40 عاما بالضبط (1961 – 2001) هو أن هذا الفرع الرابع اكتسب نفس “قوة ونفوذ” المجمع الصناعي العسكري!ففي أعقاب 11 سبتمبر وتحت شعار براق هو “الخصخصة”، اتخذ البنتاجون – وزارة الدفاع – مجموعة من الإجراءات منها الاستعانة بالشركات الخاصة (للمرتزقة والمحاربين بالأجر) للمشاركة في حروب أمريكا الخارجية، وهو ما يعرف حرفيا بـ”رأسمال الحرب” وذلك بفضل الدعم المالي الضخم، ودون الالتفات (مسبقا) للمهمات العسكرية التي ستقوم بها هذه الشركات الخاصة مستقبلا!
الذكاء الرأسمالي
في الوقت نفسه يوجد 17 جهازا داخل “دولة” الاستخبارات الأمريكية الرئيسة تتسابق في مجال الأمن القومي، ظلت تنمو بمعدلات مذهلة مع خصخصة بعضها، حيث تمت الاستعانة بمتعاقدين خارجيين من القطاع الخاص في العديد من العمليات حتى أصبح لدينا مفهوم جديد الآن هو “الذكاء الرأسمالي”، لا سيما بعد 11 سبتمبر، وتقوم فكرته على شحن المجتمع بالمخاوف من الأمام ومخاطر الإرهاب من الخلف! ما يحتم على الاستخبارات تطوير أنظمة المراقبة – مراقبة الجميع – بما في ذلك (الفروع الثلاثة الأخرى) التي تشكل الحكم في الولايات المتحدة: الحكومة والكونجرس والقضاء!إدوارد سنودن الموظف السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، هو أحد الذين كشفوا عن مفهوم “الذكاء الرأسمالي” في الاستعانة بالشركات الخاصة ودورها في تطوير “اقتصاد الأمن القومي الأمريكي”.
طموح جامح
يجب توجيه الشكر له – كما يقول المؤلف – لأنه أصبح لدينا دليل دامغ من داخل مطبخ الاستخبارات الأمريكية عن حجم طموح (وجموح) وكالة الأمن القومي بما في ذلك عمليات مراقبة المجتمع ومجموعة الاتصالات العالمية والمحلية التي ترتبط بها ومعها والتي تلتقط أنفاس الجميع مع مزيد من المعلومات التفصيلية عما يقبع خلف الصدور، فقد عرفنا الآن أن هناك وكالة واحدة فقط تقوم بكل هذا العمل السري الخطير.
العالم السري هو أهم ما يميز الفرع الرابع الذي سعى إلى تقنين كل ما يريد عمله (بالقانون) وقد جعل من نفسه – حسب صحيفة نيويورك تايمز – قضاء سريا أو ما يعادل المحكمة العليا في مراقبة الاستخبارات الخارجية، ولا تعرف السلطات الثلاث الأخرى للحكم أو حتى المواطنون الأمريكيون سوى قدر ضئيل من المعلوامات عن هذا الفرع الرابع الذي أصبح بالفعل: دولة داخل الدولة.
اسم الكتاب:
- The United States of Fearولايات الخوف المتحدة
المؤلف:
- TOM ENGELHARDTتوم انجلهارد
الناشر:
- Haymarket Books هايماركت بوكسChicago – Illinois شيكاجو - ألينويز 2011
تضليل الكونجرس بتقرير التعذيب
تشهد وسائل الإعلام الأمريكية من وقت لآخر عاصفة من الجدل حول موضوع معين ما تلبث أن تهدأ تماما وكأنها لم تكن، فقد حامت الشبهات منذ فترة قريبة حول (CIA) وانتهاكاته فيما عرف بـ”تقرير التعذيب” ( 6,300 صفحة) رفع إلى لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ هذا العام (2014)، حيث دار الجدل الصاخب بين أعضاء المجلس بين شد وجذب بما يكشف عن طبيعة الضغوط والتوازنات داخل “الفراع الرابع” من الحكم في الولايات المتحدة وما يمثله من ثقل وسلطة وقدرة؟ أحد أهم واجبات الكونجرس أن يبقي عيونه مفتوحة وساهرة على أداء الحكومة وأن يستخدم صلاحياته في الرقابة ويمارس سلطة في التحقيق والاستجواب والمساءلة.
لكن يبدو أن “السرية” و”تدمير المستندات والوثائق” بما في ذلك بيانات أجهزة الكمبيوتر، هو البرنامج المعمول به في الفرع الرابع منذ عهد الرئيس جورج بوش الابن، فقد استخدمت الأماكن السوداء (السجون في الخارج) مع أساليب التعذيب الوحشية – ما يعرف بـ “تعزيز التحقيق” - في انتزاع الاعترافات من المشتبه بهم أثناء الحرب على الإرهاب، وفتح مجلس الشيوخ تحقيقا في مارس 2009، وتم تحليل ملايين الوثائق التي تمتلكها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والتي تم تأمينها في موقع سري (شمال ولاية فرجينيا) وفقا لعضو مجلس الشيوخ ديان فينشتاين ورئيس اللجنة، فإن أهم وثيقة من بين كتلة الوثائق التي تثبت ما جاء في التقرير سرقت من نظام الكمبيوتر الخاص به!
جريمة جنائية
ناهيك عن أن الشركات الخاصة من المرتزقة والمتعاقدين من الخارج (رأسمال الحرب) والتي شاركت أجهزة الاستخبارات في عملياتها الخارجية، استطاعت عرقلة عمل لجنة التحقيق تماما عن طريق تدمير مجموعة مهمة من الوثائق السرية من أجهزة الكمبيوتر الخاصة بأعضاء اللجنة فور الانتهاء من تحقيقاتها في ديسمبر 2012، وقبل أن تنتقل للبيت الأبيض للتعليق عليها، رغم تأمين هذه الأجهزة تماما.
إن تضليل الكونجرس هو كلمة مهذبة لكلمة “الكذب” وهي جريمة جنائية بالنسبة للمسؤول الأمريكي الذي يحلف اليمين! حيث يؤكد بعض من اطلع على هذه التقارير أنه سيحدث “صدمة” لن تمحى من ذاكرة المواطن الأمريكي حال الاطلاع عليه ونشره في وسائل الإعلام.

