توافق خبران صحفيان نُشرا في صحيفتين يوميتين محليتين مطلع هذا الأسبوع‘ على استخدام تعبير (خارطة طريق) في سياقهما النصي، وجاء استخدام هذا التعبير أولا على لسان محافظ مؤسسة تحلية المياه المالحة، الذي رأى (أن الوقت حان لمجابهة الطلب المتزايد على المياه المحلاة بوضع خارطة طريق لاحتياجات الفرد الفعلية في المدن، مما يحد من نزيف المياه الذي بات يشكل تحديا للمؤسسة). فيما تضمن الخبر الثاني ما نصه: (وضع علماء ودعاة ومسؤولون خارطة طريق لعمل الداعيات في المساجد وتجويد النشاط الدعوي في إطار الاحتياجات الشرعية والضوابط العامة، وحذَّر رجال الدين من مغبة وضع الحبل على الغارب في ممارسة العمل الدعوي عوضا عن تأثره بتيارات وتوجهات متطرفة).
وإذا ما تجاوزنا ما تضمنه الخبران من تعبيرات مجازية، وصياغة لغوية محكمة - نعلم سلفا أنها لا تؤدي إلى نتائج ذات بال مؤثرة وفاعلة في التعامل بجدية ومسؤولية مع القضيتين مناط الاهتمام أعلاه - إلى التوقف عند مسألة التوافق العفوي على استخدام تعبير (خارطة طريق) في الخبرين ومضمون كل منهما المخالف للآخر، ما يقف بنا على طبيعة الوعي الذي نتعامل به مع قضايانا، وما تقتضيه من اهتمام، حيث يحلو ويطيب ويستساغ استخدام تعبير(خارطة طريق) للمعنيين بالقضيتين، ويصبح واسطة عقد يحلِّي ديباجة الخبرين، ويوهم بالجدية والمسؤولية اللتين يتم التعامل بهما مع خطرين ماحقين يهددان أمننا المعيشي الضروري (هدر المياه)، وأمننا الفكري، ممارسة ما يسمى بـ(الدعوة) بلا منهج علمي واضح ومقنن، وبلا ضوابط أو رقابة. ومن ثم يستأثر تعبير (خارطة طريق) باهتمام المتلقي ويجذبه ببريقه المشع والخادع. ويستدعي دوائر استخدامه الأصيلة، التي لا تقل خداعا وضبابية عن بيئة استخدامه الثانوية، ومن ثمَّ تقصيه هذه الحالة الذهنية؛ عن قياس جدوى ومصداقية وجدية الوعود البراقة التي يحفل بها الخبران.
(خارطة طريق) تعبير شاع في أدبيات السياسة الأمريكية منذ العام 2002م، عندما وضعت أمريكا خطة لقيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. ثم دنا فتدنى وشاع في كل مقالة أو خطبة تروم إقناع متلقيها بصدقيتها أو تبرير وجاهتها، ومن ثمَّ فهو ينقل الفكرة أو المشروع مناط الاهتمام؛ إلى مستوى من البيان اللفظي والإيهام بمشروعية التصور وحتمية التحقق، حتى لو لم يمتلك أحيانا أي مسوغ للوجاهة والمصداقية.
ولكي لا ننماع في فلك تداعيات رحلة ذلك التعبير في المقالات والخطب، وهندسة الخطابات والبيانات، وفقا لأبعاد شيوعه الثقافية؛ فإننا نتوقف إزاء التوافق العفوي عليه؛ في سياق الخبرين السابقين، ومدى ما يضخه فيهما من خيلاء وترف لفظي، وتضخيم لحالة التعبئة ضد الظاهرتين اللتين تضمنهما كل من الخبرين.
...فليس جديدا إدراك خطورة هدر المياه، والأزمة المزمنة التي تعاني منها المدن التي يشرب سكانها من البحر، وهي مشكِلة من شقين. أولهما: تدني خدمات مؤسسة المياه، وأزمات نقص الماء التي يعاني منها المواطنون، حيث ظاهرة (الوايتات) التي ننفرد بها، دون دول العالم.
وثانيهما:سوء استخدام هذه المياه، وإهدارها سدى، وغياب الوعي بأهمية صونها والرشد في استخدامها. ولم تفلح جهود ومشاريع التوعية لمؤسسة المياه طوال الفترة الماضية في إيجاد حل لهذه المشكلة بشقيها.
كما أنه ليس بجديد معايشتنا لفوضى الخطاب الدعوي، والإفراط في هذه الأنشطة، تحت هذا العنوان في بلادنا، حتى بتنا نتساءل دعوة من؟ وإلى ماذا؟ وبماذا؟ ناهيك عن مغذيات واتجاهات هذا الخطاب، وجدواها. التي ليس منها ما يكرس معنى الوطن والوطنية، وليس من بينها ما يقف بالمجتمع على ما يهدد أمنه الداخلي، وأنماط سلوكه واعتلالاته، وما يمس قيمه المفصلية.
ومن ثمَّ فإن في تعبير (خارطة طريق) وحده؛ ما يعطي للمبادرتين/ القضيتين غير الجديدتين، شكلا وإطارا شعاريا جديدا ينزاح بهما عن التعاطي الجوهري والفعلي الموضوعي مع عمقهما؛ إلى تحليتهما بالتعبير البراق الذي لن يفضي غالبا إلى نتيجة إيجابية نأملها أو نتوخاها.