لكي نوضح ما يجري فلابد من العودة إلى المحطات الأولى للغزو الأمريكي للعراق، فعندما وقع الاحتلال في 9 أبريل 2003 ارتكبت قواته أبشع الجرائم بحق العراقيين و»صور سجن أبو غريب عالقة في الذاكرة» ثم سلمت جزءاً من السلطة للأحزاب الشيعية التي نشأت في أحضان إيران، والحزبين الكرديين الحالمين بالانفصال وفق المخطط الصهيوني، والحزب الإسلامي الاسم الثاني للإخوان المسلمين في العراق، وأسسوا حكومة اعتمدت المحاصصة الطائفية فراحت تمارس الإقصاء والتهجير والقتل بحق العرب السنة بحجة أنهم من أتباع صدام حسين، بعد أن أطلقت اليد للميليشيات المرتبطة بإيران ووفرت لها الحماية والتمويل، فقتلت عشرات الآلاف من العرب السنة ودفنتهم في مقابر جماعية وتعتقل الحكومة الآن في سجونها العلنية والسرية أكثر من خمسمائة ألف رجل وسبعة آلاف امرأة بتهمة الإرهاب، وهذه التهمة توجه للعرب السنة حصراً، أما الشيعة فتسميهم الخارجين على القانون
وقد تعرض بعض المعتقلين للاغتصاب نساء ورجالاً وراحت تشيع الرعب في الأحياء التي يسكنونها وتستولي على بيوتهم وممتلكاتهم، فاضطر العراقيون للدفاع عن أنفسهم فانطلقت المقاومة في مدن العراق وكان الجهد الأكبر فيها لمحافظة الأنبار الواقعة غربي العراق والمتكونة من القبائل العربية السنية وتعداد سكانها يقارب مليوني نسمة وأكبر مدنها الفلوجة، التي أرغمت ضرباتها الأمريكيين على التفاوض مع أهلها ومغادرتها في 2 مايو 2004 ثم عادوا بعد ستة شهور وشنوا هجوماً عليها استخدموا فيه الأسلحة المحرمة واحتلوها من جديد وانتقموا من أهلها شر انتقام، ولكن المقاومة لم تهدأ في هذه المحافظة وألحقت بالاحتلال الأمريكي خسائر فادحة فلجأ إلى أسلوب جديد فقام بتأسيس مجاميع مسلحة تقتل السنة والشيعة باسم المقاومة لتشويهها، وعندما يئس من القضاء عليها اعتمد أسلوباً آخر وهو فتح المجال للتنظيمات المتطرفة لدخول العراق وإشاعة القتل والفوضى فسماها «الفوضى الخلاقة» فأوعز لأتباعه من شيوخ العشائر والحزب الإسلامي «الإخوان المسلمين في العراق» بتأسيس جماعات مسلحة تحت اسم «مجالس الصحوة» بحجة مواجهة الإرهاب والقاعدة في مدن العرب السنة ومنها الأنبار، وكان الفساد المالي والإداري الذي تقوده الحكومة التي أسسها الاحتلال يسير في خط متواز مع ما يشيعه الأمريكان من دمار في البلاد وبتخطيط مسبق، فالعراق الذي فاقت موازنته المالية مائة وخمسين مليار دولار يفتقر للكهرباء منذ أكثر من عشر سنين، والمستشفيات بلا دواء، فانتفض الشعب في فبراير 2011 في ثورة اجتاحت كل مدن العراق فأخمدت بالحديد والنار بدعم إيراني وصمت أمريكي وفتاوى رجال الدين الداعمين للفساد الحكومي، وكانت قواته الأمنية العسكرية تعتقل وتقتل يومياً العشرات من أبناء المدن ذات الكثافة السنية بتهمة الإرهاب، حتى شركاؤه في الحكومة من العرب السنة لم يسلموا من المطاردة بهذه التهمة لا سيما طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية الذي يقيم في تركيا الآن، ورافع العيساوي وزير المالية، والكثير من أعضاء البرلمان ومنهم محمد الدايني لأنه فضح جرائم قواته بحق المعتقلين
واستطاع المالكي بالدعم الإيراني الأمريكي أن يستحوذ على كل مراكز السلطة فهو رئيس الحكومة وهو وزير الدفاع والداخلية والقائد العام للقوات المسلحة، وسخر القضاء لرغباته الثأرية من خصومه وأعدم المئات من العرب السنة في محاكمات صورية بدافع الحقد الطائفي، فانتفض العراقيون من جديد في 21 ديسمبر 2012 لدفع الظلم والفساد في تظاهرات سلمية طالبت بحقوقها المشروعة، ولكن هذه المرة في المدن ذات الكثافة السنية بغداد والأنبار وصلاح الدين وديالى ونينوى وكركوك، فوصفها المالكي بالنتنة ثم بالإرهاب فواجهها بالحديد والنار، فأطلقت قواته الرصاص على تظاهرات الفلوجة يوم 25 يناير 2013 فقتلت أكثر من عشرة شباب، ثم أعاد الكرة في مجزرة رهيبة ارتكبتها قواته الأمنية في 23 أبريل 2013 بحق المتظاهرين السلميين بقضاء الحويجة في كركوك خلفت أكثر من مائتي قتيل وأكثر من 500 جريح
ثم استمر يتهم التظاهرات في الأنبار بالإرهاب وهدد بإنهائها بالقوة بعد أن وصف العرب السنة بأنهم معسكر يزيد وهو وأتباعه معسكر الحسين
وفي 28 ديسمبر 2013 داهمت قوة من الجيش والشرطة منزل النائب البرلماني أحمد العلواني في الرمادي واعتقلته وقتلت شقيقه علي أمام عينيه أثناء المداهمة ولم تشفع له حصانته البرلمانية لأنه من العرب السنة
ثم نفذ المالكي تهديده بإنهاء التظاهرات يوم 30 ديسمبر 2013 وهو اليوم الذي أعدم فيه الرئيس السابق صدام ولم يكن التوقيت مصادفة، فهاجمت قواته المتظاهرين في الرمادي فأطلقت الرصاص عليهم وقتلت وجرحت مجموعة منهم فاندلعت المواجهات المسلحة بين قوات الجيش وبين أبناء العشائر الذين كانوا يدافعون عن أنفسهم ومدنهم من العدوان الهمجي الذي يقوده المالكي ضدهم، وراح يتهمهم بأنهم تنظيمات القاعدة وداعش بعد أن رتب أتباعه تمثيلية مكشوفة، وقبل ذلك اشترى الإعلام بالمال الفاسد فسخر الأبواق المأجورة لتزييف الواقع وإظهار الأنبار على أنها أوكار للقاعدة وداعش والتنظيمات الإرهابية، لكن الحقيقة أن طائرات ومدافع جيش المالكي المدعوم من إيران وأمريكا تقصف الأحياء السكنية في مدن الأنبار ومنها الفلوجة والرمادي والكرمة وتقتل الأطفال والنساء وهناك آلاف العوائل شردت وهي بلا مأوى، ولم تنفع مناشدة شيوخ عشائر الأنبار في إيقاف العدوان فعقدوا مؤتمراً عشائرياً في 13 يناير 2013 تحت شعار «عشائر الأنبار تتصدى لحرب المالكي على الشعب» ببيت الشيخ علي حاتم سليمان أمير قبائل الدليم أكبر قبائل الأنبار لكشف المخطط الخطير الذي يحاك للعراق عامة والأنبار خاصة فنفوا فيه وجود الإرهاب في مدنهم مؤكدين أن الإرهاب مصدره المالكي وقواته التي يديرها قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني، ودعوا المنظمات الدولية لزيارة الأنبار للوقوف على الحقيقة وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي للقيام بدورهم الأخلاقي والإنساني وقرروا الدفاع عن أنفسهم وكرامتهم وعقيدتهم وهويتهم بعد أن أيقنوا أن المالكي وحلف الشر ذاهبون إلى آخر الشوط لإذلال الأنبار والمدن المنتفضة والانتقام منهم لأنهم من العرب السنة وهم العقبة أمام المشروع الإيراني الساعي للسيطرة على الوطن العربي وطمس هويته ومحو عقيدته برضا الإدارة الأمريكية هذه هي حقيقة ما يجري في الأنبار
ماذا يجري في الأنبار؟
محمد نصيّف5 دقائق للقراءة

حجم الخط
