كان من المفترض أن يكون الحديث اليوم عن نظام ساند، ولكن إيبولا أرجأ ذلك؛ فمجتمعنا لا يكاد يفيق ويهدأ من انتشار وباء أو فيروس حتى يظهر مرض آخر يجعله يعود لحالة القلق والترقب، وفيروس يحيله إلى ما كان عليه، هذه الحالة أشبه ما تكون بحالة الفزع الدوري، الإعلانات تنتشر وبشكل مكثف للتعريف فيما يعرف بسبل الوقاية من الفيروس، بث منشورات، ومقاطع فيديو، وملصقات، كلها للتحذير من الوقوع فريسة لذلك المرض أو الفيروس!
وأسوأ ما في تلك المنظومة أن يقال في النهاية أنه لا يوجد مصل أو دواء يمكنه القضاء عليه، هكذا وبصريح العبارة؛ لكي يعيش المصاب بالمرض يائسا من كل شيء إلا من رحمة الرحمن الرحيم.
كنا نظن أننا انتهينا من سلسلة طويلة من الفيروسات والأمراض، بدأت بالكوليرا في زمن مضى، لكننا وجدنا أنفسنا نمر بسلسلة أطول من الأمراض، وفي كل مرة يتكرر السيناريو، مع فروقات طفيفة تتمثل في إجراء معين، انتقلنا من جنون البقر إلى إنفلونزا الطيور ومنها إلى الخنازير ليأتي كورونا الذي لم ننته منه بعد، وما زالت الإعلانات عنه مستمرة بإصابات ووفيات وشفاء بنسبة ضئيلة، ليأتي إيبولا ناكئا للجراح، ويبدو أنه يندرج ضمن فصول المسلسل التراجيدي الذي يقطر دما بدلا من الدموع.
والواقع يؤكد الضعف الذي تعاني منه وزارة الصحة، وغياب التريث في التشخيص الناتج عن محدودية الإمكانات غالبا، بدليل الاستعانة بالمختبرات في الخارج.
ولو تأملنا لوجدنا تحذيرا غير مبرر وأمورا تتكرر، يحار فيها المفكر، ففي كل مرة يهب الناس هلعين، في محاولة جادة لتفادي ذلك الوباء، ومع عدم التثريب على هذا السلوك البشري كردة فعل طبيعية، إلا أن المأخذ هو ذلك التسابق العجيب لفتح المواقع والتهافت على مطالعة القنوات وتبادل الرسائل عبر الشبكة العنكبوتية ما أوقعهم في حيرة شديدة؛ فالمعلومات غير مؤكدة ولا تثبت علميا، وفيروس كورونا الأخير (أقصد ما قبل الأخير، إذ إن المسلسل لا يبدو فيه أخير) خير شاهد.
وفي تصوري أن الحل يكمن في تفعيل دور الجهات العلمية والبحثية، ودعمها بشكل قوي لكي تزود بالسبل الكفيلة لاتخاذ القرار المناسب ومنحها دور المبادرة حتى تنال ثقة المواطن والمقيم، وعندها ينعق الناعقون ويتشدق المتفيهقون كيفما يشاؤون.
فمن المشاهد غياب ذلك الدور بالكلية؛ بدليل بعث عينة المتوفى المشتبه بإصابته بإيبولا إلى مختبرات في دول أوروبية وأمريكا، ليظهر تساؤل كبير عن مختبراتنا، وهل باتت هشة لا تملك إمكانات تلك المختبرات، والسؤال المحير، كيف تم التوجيه بالدفن بتلك الطريقة، في قبر خاص، وبلا مشيعين وأداء صلاة الميت الغائب عليه دون التأكد من إصابته؟! فقد أعلن الأحد الماضي وصول النتيجة المخبرية من أتلانتا، وكانت سلبية، في هفوة جديدة للوزارة، والعجيب أنها ما زالت تصر على انتظار العينة الأخرى التي أرسلت إلى ألمانيا، بل وتعلن أن ذلك سيكون ديدنها!
إن عدم وجود مراكز متخصصة في الجهات العلمية والبحثية تكون مصدرا للتصريح واطلاع المتابع على كل جديد؛ جعلنا نقرأ ونسمع كلاما عن الأضرار الموجودة في بعض المواد، حتى بات المجتمع بأسره لا يأبه بهذه التحذيرات لكثرتها وعدم مصداقيتها.
أما المواجهة فتكون بالتريث وإشباع كل ما يطرأ على الساحة بحثا معمقا، إلى أن تظهر النتائج وعندها تعلن مهما كانت حتى لا تتزعزع الثقة، فالوباء الذي يثبت خطورته يعلن للجميع ولكن بعد أن تذكر كل حيثيات بحوث وتجارب الجهة المعلنة.
وقد حان الوقت لإقامة مختبرات عالمية، تمتلك الإمكانات ويكون لديها القدرات للكشف والفحص، فكم هو مشين إرسال العينات في كل اتجاه، ونظهر أمام العالم بهذا الوضع، وهي هفوة أخرى لوزارة الصحة، وههنا معادلة رياضية عديمة الحل، فالوزارة التي تملك ميزانية ضخمة تفوق 54 مليارا، لا تملك مختبرات تمكنها من تأكيد وجود فيروس أو عدمه!
وبعدها يأتي الحديث عن وسائل الإعلام لتقوم بدورها المطلوب وإبراز الأبحاث وتقنين البيانات حتى يصبح المرء على درجة من الوعي الكامل وعنده الثقة المطلقة في تلك المعلومات التي يتلقاها، إذ إن الملاحظ هو تركيز إعلامنا على أمور لا تهم كل مواطن كالرياضة والفن ..وغيرها، وصحة الإنسان هي أغلى ما يملك بعد دينه، فهل نرى وسائل إعلامنا وقد قامت بدورها على الوجه المطلوب؟
وزارة الصحة.. صراع فيروسات وتراكم هفوات!
عبدالغني القش4 دقائق للقراءة

حجم الخط
