في الوقت الراهن طرأت معاملات وظروف مستجدة لم تكن مألوفة أو معروفة فيما مضى فظهرت الحاجة إلى حلول فقهية نستقيها من كتاب الله وسنة رسوله، ولعل فقه مقاصد الشريعة هو من أهم آليات تجديد الفقه وتطويره.
على سبيل المثال لا الحصر، لوحظ أن معظم خطباء المساجد يؤكدون على ضرورة إخراج زكاة الفطر عند الذهاب إلى صلاة العيد وبعضهم أجاز إخراجها قبل يوم أو يومين، فمن حيث وقت إخراجها فإنني أرى أن في هذا الأمر تضييقا، والسبب تفاوت المذاهب في هذا الشأن وإن كنت أميل إلى مذهب الشافعية في هذا الصدد، الذي أجاز إخراج زكاة الفطر خلال شهر رمضان المبارك، أما في طريقة إخراجها كأن تكون صاعا من بر أو تمر أو شعير أو أرز فإنني أميل إلى الأحناف الذين أجازوا إخراجها نقداً، فبعض المذاهب عقلي ونقلي، وبعضها عقلي أكثر منه نقليا، والممارسات التي لمسناها جميعاً في إخراج زكاة الفطر في أكياس الأرز وشرائها وتوزيعها على الفقراء ثم يقوم الفقراء بإعادة بيعها وبأسعار زهيدة وتكرار هذه الممارسات في كل عام تستوجب من علمائنا الأفاضل إعادة النظر في هذه المسائل، ولأنه وبكل صراحة ما يحدث الآن لا يحقق مقاصد الشريعة.
هناك أمر آخر أفصح عنه سماحة المفتي حينما حث على إحياء سنة الإبراد، أي تأخير صلاة الظهر إلى قبل صلاة العصر رحمة بالمصلين، حيث تصل درجة الحرارة إلى 50 مئوية، والمؤمل هو حث أئمة المساجد بالعمل بسنة الإبراد، وقد رأيتها بنفسي قبل سنوات في مسجد في تونس وأحد المساجد الكبرى بمدينة فاس بالمغرب. بقي أن يلتفت أهل العلم إلى مسألة الوضوء وكيفية الاقتصاد فيه حفاظاً على الثروة المائية، والخوف من نضوبها، وقد شاهدت في مكان الوضوء بالملحقية الثقافية ببريطانيا بعد افتتاح المبنى الجديد، استخدام بعض التقنيات التي تعين على الحفاظ على الماء من الهدر، بحيث يتم الوضوء بأقل كمية من الماء، ويندرج هذا الأمر في غسل الجمعة وغسل العيد والغسل المعتاد والسعي الحثيث لتوفير الماء، ولا سيما ونحن في بلاد ليس فيها أنهار وتعاني من شح الماء وغلائه وعلينا دوماً ألا نغفل مقاصد الشريعة.
يقول سيد البشر «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه»، وفي هذا السياق يؤكد ابن تيمية في فتاواه ما يعرف عن عمر بن الخطاب في تمسكه بمقاصد الشريعة عامة أو كلية أو جزئية فقد كان بفقهه ورجاحة عقله محل تقدير خاص من رسول الله، وقد ورّثَ سيدنا عمر فقهه إلى فقهاء المدينة الذين ورّثوُه بدورهم إلى تلاميذهم، ومنهم الإمام مالك بن أنس، ولهذا اشتهر المذهب المالكي بتمسكه بمقاصد الشريعة الإسلامية، ونأمل من علمائنا الأفاضل تعميق مفهوم مقاصد الشريعة والعمل بها بما يعود على الجميع بالنفع العميم، والحمد لله رب العالمين.
لا تغفلوا مقاصد الشريعة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
