خلال الأسبوع الماضي، بعثت سلسلة من التصريحات الرسمية والأحداث والمظاهرات السلمية في أجزاء مختلفة من إندونيسيا رسالة واضحة إلى كل من يهمه الأمر في هذا البلد: الحكومة الإندونيسية والشعب الإندونيسي لن يقفا جانبا في الوقت الذي تقوم فيه مجموعة صغيرة – ولكن ذات صوت مرتفع- من الراديكاليين والمتطرفين بمحاولة اختطاف الدين الإسلامي لغايات قد تؤدي إلى تفرقة المجتمع الإندونيسي وتحرض الشعب ضد بعضه بعضا.
بعد أسابيع من التردد وبعض التعليقات والتصريحات الغامضة من بعض القادة السياسيين ورجال الدين، واجه وزير الشؤون الدينية في ماليزيا، لقمان سيف الدين، الأمر بوضوح وشجاعة وأعلن أن الحكومة الماليزية لن تسمح بحدوث أي أعمال عنف في البلد أو خارجه، يقوم بها مواطنون إندونيسيون يعتقدون أنهم يستطيعون أن يدوسوا على أيديولوجية الدولة دون أن يدفعوا ثمن ذلك.
بعد ذلك بفترة بسيطة، تبع قادة سياسيون ودينيون المسار نفسه، ودعا وزير الشؤون الدينية ممثلين ورجال دين وناشطين من جميع الخلفيات الدينية إلى مركز الحكومة، وحثهم على مساعدته على احتواء انتشار التطرف الديني في البلد. كان أكثر شيء يقلق الوزير هو تقارير بأن بعض المواطنين الإندونيسيين الضالين كانوا قد سافروا إلى سوريا والعراق لينضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وذكر الوزير الشعب الإندونيسي بالأيام السوداء الماضية حين مرت إندونيسيا بفترة عصيبة بسبب أحداث عنف طائفية بين المكونات الدينية المختلفة في إندونيسيا.
إندونيسيا عانت من ظروف مماثلة في الماضي عندما غادرت مجموعة صغيرة من الناشطين المحليين للمشاركة في الحرب الدائرة بأفغانستان في ذلك الوقت، وعندما عاد أفراد هذه المجموعة أصبحوا يشكلون تهديدا خطيرا على الأمن القومي في إندونيسيا. لهذا السبب فإن الإندونيسيين، شعبا وحكومة ورموزا دينية، لن يسمحوا بتكرار تلك التجربة في بلدهم.
إن دعوة وزير الشؤون الدينية الشعب الإندونيسي للانضمام إليه في النضال للدفاع عن الدستور والأيديولوجية الإندونيسية المتمثلة بالإيمان بإله واحد، وإنسانية عادلة ومتحضرة، ووحدة إندونيسيا، والديموقراطية، والعدالة الاجتماعية لجميع أفراد الشعب الإندونيسي، تبين أن السياسة المعتدلة أصبحت قوية في هذا البلد. على مدى فترة طويلة، كان السياسيون يتفوهون بتصريحات مبتذلة حول مفهوم الاعتدال والوسطية في الدين، لكنهم لم يفعلوا شيئا لمنع الجماعات المختلفة من مهاجمة بعضها بعضا، وتدمير بيوت العبادة، وإحراق المحلات والبيوت، وكل ذلك باسم الدين.
بعد ذلك بفترة وجيزة، نظم المسلمون التقليديون في مدينة جاكارتا مظاهرة سلمية لدعوة أبناء المدينة إلى الدفاع عن قيم وهوية الشعب الإندونيسي وثقافته. مرة أخرى يثبت الشعب الإندونيسي لنفسه وللعالم أجمع أنهم فخورون بأن يكونوا مسلمين وجاويين في نفس الوقت، وأنه لا يوجد أي تناقض بين الاثنين. بمقارنة الوضع في إندونيسيا مع أوضاع دول أخرى كثيرة، يستطيع المرء أن يرى أن الهوية الوطنية الإندونيسية لا تزال شيئا يستحق الدفاع عنه بالنسبة لكثير من الإندونيسيين.
هذا أيضا درس للمعتدلين في شتى أنحاء العالم، والذين يجب أن يفهموا أن الموقف المعتدل ليس مؤشرا على الضعف أو التنازل، وأنه في إطار العنف الذي نعيش ضمنه في العالم هذه الأيام – حيث يتعرض المعتدلون للاضطهاد من قبل جماعات سياسية مختلفة في معظم أرجاء آسيا- فإن الموقف السياسي والديني المعتدل هو موقف يصعب التمسك به والدفاع عنه.
إن الاعتدال يتطلب الالتزام والإصرار والشجاعة، بالإضافة إلى الاستعداد للمخاطرة بمواجهة غضب وحنق المتطرفين من جميع الأطراف. ليس هذا فقط، لكن الاعتدال يتطلب أيضا وجود قيادة سياسية منفتحة ومتنورة، وقبل كل شيء مستعدة لترجمة هذه الأفكار إلى سياسة حقيقية وعملية، وحريصة على ألا تبقى هذه الأفكار مجرد شعارات فارغة أو خطابا جميلا.
بالنسبة لإندونيسيا بشكل خاص، البلد الذي عانى من أحداث عنف عرقية واجتماعية ودينية بشعة منذ نحو عشر سنوات، ومن ظروف اقتصادية سيئة نتيجة المخاوف العالمية حول قدرته على الحياة والنمو وعلى مستقبله؛ فإن الحكومة تعرف جيدا أنها لا تستطيع أن تتحمل نتائج البقاء صامتة حول قضايا قد تتطور وتصل إلى نقطة غليان خطرة.
الشعب الإندونيسي بدأ بالرد والدفاع عن أمنه، وهو مصر على الحفاظ على سلامة وأمن بلده ودينه، ومن خلال ذلك فإنه يحدد ملامح هويته الحالية والمستقبلية على حد سواء. بهذا الشكل تولد الأمم الشجاعة.
المعتدلون يتخذون موقفا
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
