يخرج الجنين من رحم أمه مستشعرًا قمة الخوف، وبانعدام كامل للوعي؛ فهو لا يجيد استخدام حواسه، ولا يدرك أيا من دقائق محيطه، ويحتاج لطمأنينة، ووقت وخبرة كافيين، ليعرف أن بسمة وجه أمه سعادة، وأن دقات قلبها سكن، وأن ملمس أناملها عطف وحرص ومحبة وأمان، وأن استدارة الحلمة شبع وارتواء.
الوعي هنا مادة خام، تشاركنا بقية المخلوقات في كثير منها.
ويتنامى الوعي على درجات حتى يحصل الوعي الطبيعي للمحيط بجل أبعاده، وذلك قد يكون وقد لا يكون مكتملًا، تبعًا لقدرة الإنسان على استيعاب مستوياته، وأنواعه.
وقد نجد توأمين يعيشان في نفس المحيط، وبنفس المعطيات، ولكن نتائج الوعي لديهما تختلف، بل إن الفارق بينهما قد يكون شاسعًا.
وعندما يفقد أحدنا وعيه، ولو لدقائق، ثم يصحو، يشعر بأنه يعود إلى أدنى درجات اللاوعي، وقد يحتاج لدقيقة أو أكثر لاستعادة وعيه بذاته وبمحيطه مستخدمًا “منافذ الوعي”، التي نعرفها بالحواس الخمس.
وللوعي أنواع تختلف باختلاف مساحات الوعي، منها:
- الوعي العفوي: والذي لا يتطلب مجهودًا ذهنيًا كبيرًا، كأن تشعر وأنت نائم إذا مر أحدهم بجوارك.
- الوعي التأملي: وهو عكس ذلك، ويتطلب حضورًا ذهنيًا قويًا، كأن تتأمل في لون ووميض النجوم، وتستشف ما خلفها من جمال وغموض.
- الوعي الحدسي: وهو الوعي الذي يجعلنا نقارن واقعنا بمعارف قديمة نستدل ونحكم بتذكرها على ظرف آني.
- الوعي الأخلاقي: وهو الذي يجعلنا نصدر أحكامًا على الأشياء والسلوكيات، فإما أن نرفضها أو نقبلها بناء على قناعات ومبادئ أخلاقية.
كما أن هناك تنوعًا من ناحية مستويات الوعي:
- مستوى الوعي المكاني: فالإنسان، الذي يسكن في قعر الوادي، يقل وعيه المكاني كثيرًا عمن يسكن على سفح الجبل، وبالطبع فإن وعي من يسكن على القمة يكون أكثر شمولية وقدرة على تمييز محيطه.
- الوعي الذاتي: وهو أن يكون لدى الإنسان (رؤية واضحة)، حول شخصيته، بما في ذلك مناطق القوة، والضعف، والمسار الفكري، والمعتقدات الدينية، والحوافز، والمشاعر، وهذا النوع من الوعي يهب الإنسان القدرة على تفهم الآخرين، ومعرفة كيف ينظرون إليه.
- الوعي السياسي: وهو الإطلال من فوق رأس جبل الأحداث، وتخيل ما يحصل هنا وهناك، ومن كافة الزوايا والمعطيات، ومن خلال المخزون والإطلاع يقوم بتحليل جميع ما يعرفه، ويقوم بربط بعضه ببعض، ومواصلة التعلم، والحوار، والاستزادة ليعي أين يقع سياسيًا.
وكان لا بد أن يقودنا حديثنا هذا للوعي الإنساني المتقدم: وهو أرقى أنواع الوعي، ويقوم على وضع مصلحة الإنسانية جمعاء فوق أي اعتبار آخر، فهو وعي لا يُحد بأي تعصب عنصري فكري أو ديني أو مادي أو جنسي، وإنما يبقى الشعور الإنساني النبيل هو المهيمن والمسيطر على كل أفعالنا لبناء الحياة الكريمة الحرة الجديدة على وجه أمنا الأرض، بما يليق بها من رعاية وعدالة ومحبة.
فاقدو الوعي
شاهر النهاري3 دقائق للقراءة

حجم الخط
